شمس لاتغيب؛ ولاية الإمام المهدي (ع)
الحلقة الثامنة والثلاثون:
ولاية الإمام المهدي مشروع إلهي مستمر
إن الحديث عن الإمام المهدي عليه السلام ليس مجرد سرد لتاريخ أو انتظار لمستقبل، بل هو حديث عن ولاية الإمام المهدي بوصفها مشروعاً إلهياً مستمراً. ففي قوله تعالى في سورة النمل: “أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ”، ورد أن هذه الآية نزلت في حقه (عج)، فمن تمسك بحقيقة ولاية الإمام المهدي وتضرع إلى ربه عند المقام، فإن دعوته لا تُرد أبدًا. إن هذا الارتباط الوثيق بالذات الإلهية هو ما يجعل كل السرايا التي يرسلها الإمام في أنحاء الأرض، من الهند والصين إلى بريطانيا، مسددة ومنصورة، لأن الله يتولى هذا المشروع بعنايته ويتمم نوره.
نحن ننشغل بحوائجنا ومشاريعنا الخاصة؛ كيف نشبع، وكيف نُروى، ونتناسى مقتضيات ولاية الإمام المهدي وخطط الظهور العملية. يظن البعض أنه إذا تركوا هذا الأمر، فإن الله سيتركه، لكن الإمام الباقر (ع) بيّن لنا بوضوح: “تركتم هذا الأمر، ما تركه الله”. إن انشغالنا بغير هذا المشروع هو فاصل بيننا وبين مشروع الله، بينما الله تعالى منشغل يومياً بتهيئة الأسباب لظهور الإمام المهدي عبر إعداد الرجال الذين لا يملكون ثورة إلا لله، بعيداً عن آلهة البشر والقوى العظمى، لتقوم ثورة مهدوية نظيفة تتنزه عن كل ما يُعبد من دون الله.
الركون إلى الدنيا وإطفاء نور الله
إن مشروع الإمام المهدي (عج) في الأرض يتطلب رجالًا ونساءً يتخلون عن “الدنيا” بمعناها الذي يُمثل الركون إليها وحبها، والذي لخصناه في ستة أشياء أساسية تُنسي الناس الإمام المهدي (عج).
-
الانشغال بالدنيا ونسيان راحة المحبوب:
إن الناس يبحثون عن راحة أجسامهم، ويهربون من التقشف والتعب، ناسين أن راحة المؤمن الحقيقية هي في محبوبه ووصوله إلى الإمام المهدي عليه السلام. إن حب الدنيا يتمثل في ستة أشياء منها: حب السلطان، وحب المال، وحب النساء، وحب الراحة. يخرج رجالٌ لا هم لهم إلا المهدي؛ أكلهم وشربهم وراحتهم ولذتهم المهدي. هم ينسون راحتهم في الحياة، ولا يرتاحون إلا بوصولهم إلى محبوبه، تمامًا كزائر الإمام الحسين (ع) الذي لا يشعر بالراحة الحقيقية إلا عند وصوله إلى كربلاء. إن ذكر أهل البيت والتفكر فيهم يروي العطشان ويشبع الجائع، فهم مشروع حياة الإنسان المؤمن.
-
إرادة إطفاء نور الله بأفواههم:
يقول تعالى في سورة الصف: “يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ”. لقد بيّن سماحة المتحدث أن ترك الناس للإمام المهدي عليه السلام وهجرهم له بمثابة محاولة لإطفاء نوره، وجعله غريبًا ومتروكًا، حتى يموت ذكره وأثره. لكن الله تعالى أراد له البقاء والصول والجولة والحياة في المجتمع، لأنه هو الذي يتمم نوره، ولا يمكن أن يموت ذكره أبدًا. هذه الآية الكريمة تُفسر بـ ولاية علي بن أبي طالب (ع)، التي يريدون إطفاءها.
ولاية الإمام المهدي امتداد لولاية علي ودين الحق
إن ولاية الإمام المهدي عليه السلام اليوم هي التجسيد الأكمل لولاية علي بن أبي طالب (ع)، والإمام المهدي (عج) يقوم بسنن علي (ع) في كل تفاصيله، في حنانه، في عبوته، في تفقده، في شفقته، في رحمته، وفي حبه لأولاد الشيعة واستغفاره لهم.
-
صناعة البدائل ومحاربة الولاية:
يريدون أن يطفئوا هذه الولاية التي هي مصدر كل نعمنا وخيرنا، فهم يصنعون البدائل ويزعمون أن النجاة والشفاء مصدرها آلهة البشر المعاصرة كالمنظمات الدولية والدول الغربية والقبائل، لا الإمام المهدي عليه السلام الغائب. يقولون: الخير من الدول وليس من المهدي، والمهدي غائب من يسمع به؟ لذلك هناك عملية إطفاء ومحاولة لخلق البدائل حتى يعبد الناس غيره. يجب أن تكون أعيننا على الإمام المهدي (عج) وحده، فهو الذي يرزق المؤمن ويساعده، وهو مصدر نجاة البشرية، ولا ننتظر إغاثة من الصليب الأحمر أو الهلال الأحمر، بل ننتظر متى المهدي ينقذنا.
-
النور المنزل ودين الحق:
إن الإمام المهدي عليه السلام هو مصدر كل فضل ونورانية لدينا. فكما أن هيبة الأب على أولاده وهيبة الزوج في بيته هي من وراء هيبة الإمام المهدي (عج)، فإن كل خيرنا ونعمتنا إنما هو من فضله. لقد أمر الله ورسوله بالولاية لوصيه، وهذه الولاية هي “دين الحق”، وهو ما أشار إليه قوله تعالى: “هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ”. هذا الإظهار الشامل سيتم على يد الإمام القائم المهدي عليه السلام عند قيامه.
-
إظهار نموذج علي بن أبي طالب الكامل:
عند قيام القائم (عج)، سيظهر نموذج الإمام علي بن أبي طالب (ع) الكامل في إدارة العباد والبلاد، ليكون هو الخطة العملية التي تطغى على جميع المذاهب والأعراف والقوانين الوضعية. إن الله تعالى متم نوره بولاية القائم (عج)، وهو طريقه لشفاء العباد وإنجائهم، وسوف تظهر كل التجليات الإلهية وسنن الله الجدية في الحياة. وعلى الرغم من كراهية الكافرين لهذه الولاية، فإن الله متم نوره، لقوله: “فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنزَلْنَا”. وهذا النور هو الإمام المهدي عليه السلام.
النتيجة
إن النور يضيء ليصبح المعترفون به مصدر إشعاع لأرزاق الناس وكمالهم وشفائهم. فلنسأل الله تعالى أن ينبهنا من نومة الغافلين، ويثبتنا على ولاية الإمام المهدي التي هي امتداد لولاية أمير المؤمنين (ع)، ويُعرفنا على نفسه، وأن يجعلنا من خدام وتلاميذ الإمام المهدي (عج). إن الاعتراف بحقيقة الولاية المهدوية العلوية الفاطمية هو اعتراف بأن كل خيرنا جاء من صوب هؤلاء، وليس من الدول والجوازات والقبائل. فلنكن من جند الله وحزبه وأوليائه الذاكرين لأبي الفضل، أبي الخير، أبي الراحة والسلامة والعافية، المهدي عليه السلام.
“للمزيد من مشاهدة دروس شمس لا تغيب، يُرجى النقر هنا.”