شمس لاتغيب؛ الإمام القائم بأمر الله
الحلقة السابعة والخمسون:
الإمام القائم بأمر الله: مقام الاصطفاء الإلهي
أيّها الأحبة، إنّ المقام الذي نتحدّث عنه اليوم هو مقام الإمام القائم بأمر الله، وهو مقام الاصطفاء الإلهي الذي لا يضاهيه مقامٌ عند الخالق جلّ وعلا. هذا المقام المبارك يُمثّل محور النجاة ومفتاح الخير لهذه الأمة، وهو أساس كل بركة تنزل من السماء.
لقد بيّن الإمام الصادق عليه السلام أنّ الإمام هو المنتَجَبُ المُرتضى، والهادي المُنتَجَة. إنّه المصطفى بالاختيار الخطير، والمرتضى الذي رضيَ اللهُ عنه جميع أفعالَه ونيّاتِه وأقوالَه، فهو عبدٌ لا يفعل إلا ما يرضى اللهُ به، وكلّ أعماله وأقواله منجّبةٌ بالاصطفاء الإلهي، إذ له ارتباطٌ وثيقٌ بالله، يُلهمه ويُناجيه ويهديه.
القائم بأمر الله: حقائق الدور والبركات
قد يتساءل البعض عن طبيعة دور الإمام القائم بأمر الله في غيبته، وهذا تساؤل مشروع يحتاج إلى إجابة شافية من نبع الحكمة.
-
دور الإمام ليس معطّلاً ولا كسولًا:
وإن رأيتموه اليوم في عزلةٍ اجتماعيةٍ لا يظهر نشاطاً أو يستقبل ضيوفاً، فليس ذلك كسلاً أو تعطيلًا لدوره. بل هو قائمٌ بأوامر الله، وغيابُه الاجتماعيّ ليس عجزاً، بل هو تكليفٌ إلهيّ، لأنّ الحكومات كانت كثيراً ما تفرض على الإمام العزلة، حتى مُنِعَ شيعة الإمام الرضا عليه السلام من الدخول عليه. هذه العقوبة التي تجري على وليّ الأمّة إنّما تجري بحكم الله، فينقطع الإمام عن شيعته بأمرٍ منه سبحانه. -
قيام الإمام سبب بركات السماء والأرض:
إنّ الإمام القائم بأمر الله هو الذي يُرتجى منه كلُّ خير؛ فلو سكتَ لكان سكوتُه بأمر الله، وإن قام فبأمر الله يقوم. ومن قيامه تتنزّل بركاتُ السماء وتتفتّح أبوابُ الخير، وهذه المساكن والولادات والأعمار والأرزاق، كلّها من آثار إمامٍ قائمٍ بأمر الله. حين يتولّى الإمام أمرَ الله ويُقيمُ حدودَه وحقوقَه، تنشرح به الأرضُ وتعمّ البركة. -
النَّوال والنجاة مرتبطٌ بولايته:
الإمام القائم بأمر الله هو الذي يُرتجى منه النَّوال، فبقيامِه بأمر الله يسوق إلى الخلق كلَّ ربحٍ وهِبةٍ ونورٍ، بالهيبة، والعلم، والأمان، والحكمة، والرزق، وسائر الألطاف. ولولا ظهورُه اليوم لما كان للبشرية خلاص، فنحن نتقلّب في خفيّ الرحمة، ونستفيد من آثار وجوده وإن حُجِبَ عن الأبصار. المتديّن المرتبط به يُرجى له كلُّ خير، وله الشهادة والمعنى، لأنّها شهادةٌ على ولاية الله.
حقّ الله والتحذير من شرك الدول الوضعية
إنّ مقام الإمام القائم بأمر الله هو مقام الحق الإلهي الذي يجب أن نُدرك أبعادَه لننجو من ضلالات عصورنا.
-
الإمام المصنوع على عين الله ودولة الحقّ:
إنّ آمالَنا كلَّها معلَّقةٌ بـالإمام القائم بأمر الله المرجُوّ الذي اصطفاه اللهُ على عينِه منذ يوم الذّرِّ. لقد اختاره اللهُ اختياراً لا اشتباه فيه واجتباه ليقوم بأمر الله. وهو المصنوع على عين الله، كما قال تعالى: “وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي” و “وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِي”؛ أي أنّ الله تولّى تربيته، ونشأته، وتعليمه، حتى صار الإمام الذي يربّيه الله لنفسه ولحكمه. وحكم المهدي هو حقُّ الله، ودولتُه هي دولةُ الحقّ. -
الأنفال ملكٌ لله لا لسلاطين البشر:
من أعظم الجهل، أن يأتي بعضُ الجهّال ويسقطون حديث الديمقراطيّات والملكيات التافهة على مقام الإمام، ويقيسون حكمه على حكومات البشر! هذه البلادُ كلّها أنفالٌ، والأنفالُ لله ولرسوله ولخليفةِ رسوله، كما نصّ القرآن؛ فهي ليست حقّاً لسلطانٍ من سلاطين البشر، بل ملكٌ لله يدفعه لمن ارتضاه. الأنفال (من الصحاري، البراري، الأنهار، والبحار) كلّها حقٌّ لله ورسوله، وقد خصّ الله بها الإمام القائم بأمر الله كما خصّ بها رسولَه من قبل. فكيف يجرؤ أحدٌ أن يجعلها ملكاً لدولةٍ وضعية؟! -
خطورة التجرّؤ على حكم الله وشريعته:
في سورة الشورى جاء الأمر الإلهي القاطع: “أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ”؛ فهل يوجد من هو أعلم بالله من الله ليضع حدوداً وقوانين غير شريعة الله؟! إنّ التجرّؤ على حدود الله ورسوله بجعل الدول الوضعية بديلاً عن السلطان الإلهي، هو سقوطٌ في الشرك والفسق، لأنّ كياناتها صنعُ البشر، وسلطانُها مخالفٌ لكتاب الله. لا توجد آية واحدة تُجيز نقضَ قرارٍ من قرارات الله، فمن يبدّل حكم الله فهو المكذّب به. اللهُ أراد حفظَ العباد والبلاد بشريعتِه، لا بقوانين البشر. إنّ الله هو الذي اصطفى هذا الإمام، واختارَه ليكون أماناً للعباد والبلاد، وقيِّماً على إقامة أحكام القرآن.
النتيجة
أيّها المؤمنون، إنّ الإمام القائم بأمر الله صُنع على عين الله في يوم الذرّ حين ذرأه، فخلقه الله لهذا الأمر منذ البداية، يوم خلقه وأظهره وهيّأه. حين ذراه، أي حين خلقه أوّل خلقٍ، أودع فيه العلم والرضا والهداية بلا اشتباه. فجعل اللهُ أرزاقَ الناس على يديه، وجعل خَلقَهم وبقاءَهم وأمانَهم متعلّقاً بإمامته، وجعل صلتهم بعضهم ببعض من بركة وجوده. وهذا قرارٌ إلهيّ محتومٌ منذ فجر الخليقة.
“للمزيد من مشاهدة دروس شمس لا تغيب، يُرجى النقر هنا.”