سیاحة التسبیح؛ ذي الفواضل والنعم الجسام
الحلقة الخامسة والاربعون:
الفضل الإلهي والتنزيه الكامل
إن الحديث عن الله سبحانه وتعالى هو حديث عن الكمال المطلق الذي لا يحد بحد، وعن العطاء الذي لا تشوبه غاية ولا يداخله نفع. فعندما نصف الله بأنه ذي الفواضل والنعم الجسام، فإننا لا نقصد مجرد كثرة العطاء، بل نقصد العطاء المنزه عن كل مصلحة أو غرض.
في هذه الجلسة، نقف عند معنى عظيم من معاني التوحيد، وهو أن الله تعالى يفيض بفضله على عباده من غير حاجة، ولا انتظار مقابل، ولا رجاء منفعة. ففهم حقيقة ذي الفواضل والنعم الجسام يحرر القلب من التعلق بالمخلوق، ويقوده إلى التوجه الخالص نحو الخالق.
تنزيه الله عن غاية الانتفاع
الفرق الجوهري بين فعل الله وفعل المخلوق هو أن المخلوق يعمل لغرض، أما الله سبحانه فهو ذي الفواضل والنعم الجسام الذي لا ينتفع بفعله.
- تنزيه الفضل الإلهي عن طلب النفع:
كل من يفضل عليك من البشر، مهما علت منزلته، فإنما يعطي وهو يرجو نفعاً، إما مادياً أو معنوياً، حتى الوالدان في تربية أبنائهما يرجوان بقاء الأثر أو حسن الذكر. أما الله تعالى، ففضله جود محض، لا يعود عليه منه شيء. - النعم الجسام فوق تصور العقول:
عندما نتأمل في نعم الله، نجد أن أعظمها نعمة الحياة نفسها، نعمة يعجز الميت عن إدراكها، ويعجز الحي عن شكرها. وهذا مصداق واضح لكونه ذي الفواضل والنعم الجسام.
عجز العقول عن إدراك كنه الصفات
من لوازم الإيمان بـ ذي الفواضل والنعم الجسام أن نقر بعجزنا عن إدراك حقيقة صفاته سبحانه.
- الفرق بين الصفات البشرية والإلهية:
نحن نفهم صفات البشر لأننا نشترك معهم في الطبيعة، فنفهم الحزن والفرح والاشتياق. أما صفات الله، فمهما عبرنا عنها بالألفاظ، فإن حقيقتها ليست كحقيقة صفاتنا. - امتناع الإحاطة بكنه الصفة:
نقول إن الله عليم، ولكن علمه ليس كعلمنا، ونقول إنه رحيم، ولكن رحمته ليست كرحمتنا. فالله سبحانه ذي الفواضل والنعم الجسام، وصفاته لا تدرك بكيف ولا تحد بمثال. - قصور الألسن عن نعت الله:
مهما بلغ الإنسان من فصاحة وبيان، ومهما أكثر من الذكر والتسبيح، فإنه يعجز عن الإحاطة بجميع نعوت الله، لأن الله أعظم من أن يحيط به وصف.
شمولية الفضل والرحمة الإلهية
من آثار ذي الفواضل والنعم الجسام أن فضله لا يختص بالمؤمن دون غيره، ولا بالإنسان دون سائر المخلوقات.
- سعة الرحمة لجميع الخلق:
الله راحم الإنسان والحيوان، راحم الطير والبهائم، راحم المؤمن والكافر في شؤون الدنيا. عطاؤه شامل، وفضله عام، لا يحده حد. - تنوع مظاهر النعم الإلهية:
قد يكون الفضل في دفع بلاء، أو ستر عيب، أو رزق غير متوقع، أو طمأنينة في القلب. وهذه المظاهر المتعددة لا يجمعها وصف واحد إلا أنه سبحانه ذي الفواضل والنعم الجسام.
النتیجة
في ختام هذه الجلسة، نصل إلى حقيقة واضحة: إن الله سبحانه أعظم من أن يدرك، وأكرم من أن يحصى فضله. كونه ذي الفواضل والنعم الجسام يوجب علينا التسليم، والخضوع، وشكر النعمة دون ادعاء الإحاطة بحقيقتها. سبحان من لا تنال العقول كنه عظمته، ولا تحصي الألسن جميل عطائه.
“للمزيد من مشاهدة دروس سیاحة التسبیح، يُرجى النقر هنا.”