سیاحة التسبیح؛ حكمة الله وتدبيره
الحلقة الثلاثون:
حكمة الله وتدبيره في “من قبل ومن بعد”
نقرأ في دعاء الإخلاص عبارة تهز الوجدان وتستوقف العقل: «سبحان من لله الأمر من قبل ومن بعد». إن معنى “سبحان” هو التنزيه المطلق؛ فالله سبحانه منزهٌ تماماً عن أن يكون مثلنا نحن البشر في تدبير الأمور. نحن عندما نريد إصدار أمرٍ، نحتاج إلى فكرٍ عميق، وتخطيطٍ طويل، ومشورة الآخرين، ومساعدة الخبراء والمهندسين؛ فكم يستغرق الأمر منا من جهد ووقت؟ أما الله تبارك وتعالى، فهو المنزه عن كل هذه الحاجات المادية والنفسية.
إن الله عز وجل عندما يخلق، يخلق بلا رويةٍ ولا فكرٍ ولا ترددٍ يسبق الفعل. فالأمر عنده “من قبل” هو ذاته “من بعد”؛ أي أن تنزيهه ثابت قبل تحقق الشيء وبعد تحققه. نحن البشر، بعد تنفيذ أوامرنا، قد يدركنا الهرم، أو يتسلل إلينا التعب، أو حتى نندم على فعلٍ فعلناه -ولو كان خيراً- قائلين: “ليتني استشرت” أو “لو فعلت كذا لكان أفضل”. هذا العجز والندم صفة المخلوق المحتاج، أما الخالق فهو حكيم في أمره، لا يحتاج إلى استدراك ولا تدركه حسرة الندم.
“لمشاهدة الحلقة 30 من الدروس سیاحة التسبیح علي يوتيوب اضغط هنا.”
تجليات الإتقان الإلهي في إدارة المقادير
- إحكام الخلقة والتخطيط الإلهي:
حين يخلق الله النماذج البشرية المختلفة، أو حين يسلط الأشقياء على السعداء، فهذا ليس عبثاً أو عشوائية، بل هي خطة متقنة محكمة من مقتضيات حكمة الله وتدبيره. هو حكيم في صنعه، لا يحتاج أبداً إلى إصلاح ما بدأه أو ترميم ما خلقه. - شهادة القرآن على دقة التدبير:
الدليل القاطع على إحكام هذه الخلقة هو القرآن الكريم الذي نزل قبل قرون، والمكتوب في السماوات منذ آلاف السنين، حيث يخبرنا بالمستقبل بدقة متناهية، ويحكي لنا عن تفاصيل تلك الخطة المحكمة التي وضعها رب العالمين لكل ذرة في هذا الكون. - تسليط الأشقياء كميزان للحكمة:
لقد أخبرنا الله في كتابه وسننه أنه سيسلط الأشقياء كيزيد ومعاوية وابن ملجم على السعداء كالحسين والحسن وعلي (عليهم السلام). هذا ليس عيباً في الخالق، بل هو الذي يجري الأقدار ويسوق المقادير إلى مستقرها الصحيح، واضعاً كل إنسان في منزلته التي يستحقها.
كربلاء والابتلاء: الخير الخفي والرضا بالتسليم
- كربلاء كمنظومة خير مطلق:
قد يتساءل البعض عن وجه الشر فيما جرى في كربلاء، وأقول: إذا كان الله هو الذي قدرها، فكل جزء منها هو خيرٌ محض. الله لا يفوته ظلم ظالم، ولا يجري عليه الزمان، ونحن عجزنا عن فهم وجه الحكمة لا ينفي وجودها في كنف حكمة الله وتدبيره. - حتمية التسليم أمام المحير:
نحن نبتلى يومياً بالمرض، والذل، وموت الفجأة، وتسلط الأعداء، ونتساءل: أين الخير؟ الحقيقة أننا لا نفهم كنه أفعال الله، لكننا نؤمن بأن حكمته بالغة، وعندما تُكشف الحجب سنرى كم كان تدبير الله “مضبوطاً” لدرجة أننا لن نتمنى تغيير أي تقدير. - علاج الحيرة في خلق الشر:
إن مشكلتنا في فهم خلق الشر تُعالج بـ “التسليم” المطلق. يجب أن يستقر في أنفسنا أن الله حكيم وليس سفيه، وأن ننتظر لنرى كيف يجبر الله القلوب؛ فيجبر الفقر بالغنى، والنقص بالكمال، والذل بالعز، محولاً هذا الشر إلى خير دائم.
تفويض الأمر للرب الكريم الذي لا يمنّ
- التفويض لله البصير بالعباد:
الله سبحانه منزه عن الحقد، وهو يختار لعباده ما هو “الأصلح” لهم دائماً. هو نعم الرب الذي يدبر أمر البلاد والعباد بأحسن صورة، فربما مصلحتنا في أمرٍ نكرهه، وهنا يأتي دور التفويض الكامل لمن هو بصير بالعباد ومصالحهم. - كرم الله المنزه عن المنّ:
الله الكريم يعطي ولا يمنّ، ويهب ولا يعيّر. الإنسان الكريم قد يذكر فضل عطائه، أما الله فيختار للعبد صلاحه سواء عرف العبد ذلك أم جهله، فكل ما في الكون من كائنات أو أحداث هو جزء من نظام حكمة الله وتدبيره الدقيق.
النتيجة
إن كل ما يمر به الإنسان من بلاء، سواء كان مرضاً أو سجناً أو ضيقاً، هو في باطنه رحمة خفية وجسرٌ للوصول إلى مقامات عليا قصرت عنها أعمالنا الصالحة. فالله منزه عن إرادة الشر بعباده، وما الابتلاء إلا تطهير ورفع درجات؛ لذا فليكن هتافنا الدائم بيقين: «سبحان من لله الأمر من قبل ومن بعد».
“للمزيد من مشاهدة دروس سیاحة التسبیح، يُرجى النقر هنا.”