أركان النجاة في بحر الدنيا؛ حيث التوكل على الله وباب الحوائج هو شراعها الأساسي

فوائد العقل؛ التوكل على الله وباب الحوائج؛ الحلقة 4

أحدث مقاطع الفيديو

فوائد العقل؛ التوكل على الله وباب الحوائج

الحلقة الرابعة:

الإمام الكاظم وسفينة النجاة في الدنيا

حديثي يبدأ برزء الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام)، باب الحوائج. إذا نفخت في جانب الكرخ رياه، هدتنا إليه في الدجى فنحوناه. فبجنب الكرخ قبر لسيدٍ ينال له الراجي من السأل أقصاه، إمام هدى فيه اهتدى كل مهتدٍ، وكان به بدء الوجود وأبقاه. لقد غُيّب شخصهُ في تلك الطوامير، وحاول الأعداء بأزهاقهم نفس الهداية إطفاء نوره، فلم يبلغوا ما أرادوا. لقد قضى باب الحوائج نازحاً، وما حضرته وُلدهُ وأحبائهُ، بل راحوا حمالون تحمل نعشهُ، وقد أدرك الأعداء ما يتمناهُ. فلم نرى نعشاً كان سجناً، فقد سرى وأقيادهُ ما بارحته رجلاهُ (تسعون كيلو من الحديد)، كأنهم آلوا ولو كان ميتاً لا ينفك من السجن حتى بمثواه. يا لهفي لهُ والشمس تصهر جسمهُ على الجسر مطروحاً به حفّ أعداهُ.

أيها الإخوة والأخوات، بعد هذه الفاجعة، نتوجه إلى وصية الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) التي تحدد لنا منهج النجاة في الدنيا. فقد قال مولانا باب الحوائج يا هشام: “إن لقمان قال لابنه: الدنيا بحر عميق قد غرق فيه خلق كثير، فلتكن سفينتك فيها تقوى الله وجسمها الإيمان وشراعها التوكل وقيِّمها العقل ودليلها العلم وسكّانها الصبر”. صدق مولانا باب الحوائج. نحن نحتاج إلى هذه السفينة لتسيير أعمالنا، سواء أريدُ أن أتزوج، أو أتكسب، أو أفتح دكاناً، أو أكون والياً، فكيف نطلع من هذه الأعمال سالمين؟ نحتاج إلى هذه السفينة وأهم شراع فيها هو التوكل على الله وباب الحوائج.

 

بناء الهمة على التقوى وتوجيه الغايات

نحن نتحدث في كلمة تقوى الله أنه يكون عزمنا مو المال للمال نفسه، ولا الحكم للحكم نفسه، ولا الأولاد لكثرتهم. أنا أريد الدنيا بلاغاً، كل هذا أريد أن أبلغ به منزلةً عند الله. هذه هي الهمة الإلهية التي لا تجعلنا نغرق في بحر الدنيا.

  • اختبار همة طالب الجاه:

إذا شفتَ شيئاً من هذا المنصب خطراً عليك، كأن تعلم أنك إذا دخلتَ ستظلم، وستبتعد عن الله، فابتعد من الحكم، لا تدخل، لا تصير والياً. الحكم والولاية وقت ينفعك إذا أقمتَ حقاً ودفعتَ باطلاً ونصرتَ مظلوماً. لكننا نرى أن همة بعض من يصيرون نواباً في المجالس لا تتعدى المال، والله ينطون راتباً، وهمتهُ المال. يا أخي المال موضعه الأسواق، أما الحكم فموضوعه إدارة الناس وحسن إدارتهم وإنصافهم.

  • اختبار همة طالب العلم:

العلم موضعه نجاة النفس وخلاصها، أن تعرف الزين من الشين. فإذا به يطلب العلم ليماري به السفهاء أو العلماء، أو حتى يصير جدلاً. هذا خلاف المقصود الإلهي. أنت في لحظة محاسبة نفسك، انظر هل هذا الشيء الذي عكفتَ على طلبه يجعل بينك وبين غضب الله حجاباً، أم أنك تخوض النيران؟

  • ضرورة معرفة القدر وعدم التجاوز:

علينا أن نختار ذلك العمل الذي نعرف قدرنا فيه: “رحم الله امرءاً عرف قدره فلن يتجاوزه”. فإذا كان الإنسان لا يتحمل رئاسة، أو أنه يرى نفسه إلهاً عندما يجلس خلف طاولة الحكم كالقاضي الذي قال “أحس نفسي إله!”، فهذا لا يجوز له أن يصير قاضياً. هذه الدنيا ترا دير بالك منها، ولا محيص لنا من خوضها، ويجب أن تكون همتنا التوكل على الله وباب الحوائج.

 

الإدارة النورانية والكنترول بالهيبة

إذا جعلتَ همتك تقوى الله، فالله سيساعدك. الله يقول: “قولوا إياك نعبد وإياك نستعين”، فمتى يساعدك؟ لمن يشوف الصدق من قلبك، من أنت صدق تريد الله لا يغضب عليك. هذه الهمة الصادقة تقودنا إلى الإدارة النورانية للإمام المهدي (عج).

  • الإدارة الإلهية بالحب والشوق:

الإمام المهدي (عج) يأتي “بدين الله أفواجاً”، بمعنى أن حب المهدي والشوق إليه وحضور مجلسه يجعل الفتاة تتحجب ويجعل الإنسان يتورع، تماماً كما يفعل الحسين (عليه السلام) في محرم والأربعينية. هذا الشوق والحب يغلب المشاق؛ لا نسمع أحداً يشتكي من الحر في أيام المشي إلى الحسين. هذه إدارة نورية، وليست إدارة بالحديد والقمع والسجون والتهديد.

  • الإدارة الأبوية بالهيبة والعدل:

في إدارة الأولاد والزوجة، الكونترول ليس الصرخة ولا الضربة، بل بالهيبة. اجعل السياط بمرأى من أهل بيتك (أي اجعل الهيبة موجودة). كثرة الصمت تأتي بالهيبة. ابنك ليس صديقك، ابنك مولاك، أنت أبوه. الإمام المهدي (عج) يملؤها قسطاً و”عدلاً”، والعدل هو أن يضع كل شيء بمكانه؛ الأب في مكانة الأبوة والهيبة، والأستاذ في مكانة الاحترام والتقدير.

  • المهدي (عج) الأب الشفيق وشمس الشموس:

الإمام المهدي (عج) هو الأب الشفيق والأم البَرّة، أحنّ علينا من أمنا، وهو كما وصفه الصادق (شمس الشموس)؛ فإذا كان هناك معادل للحنان في الكرة الأرضية فالمهدي هو ذلك المعدن بالحنان والحب. إن هذا الرجل ممتاز ويمتاز عن جميع الخلق. وحتى في غيبته، فـ دولته الآن قائمة، وهو يدير كل شيء، ولكن شخصه غائب “كشمس إذا غيّبها السحاب”، نورها موجود ونعمها سابغة. الخير كله في حياتكم من يد المهدي (عج)؛ فلنشكره على كل سفرة تُمدّ.

 

النتيجة

أيها المؤمنون، إن التوكل على الله وباب الحوائج هو الملاذ الحقيقي والمنهج القويم في هذه الدنيا. فالقرآن الكريم، الذي هو ثقل المهدي والحسين (عليهما السلام)، معجزة كبرى لقضاء جميع الحوائج ودفع الضيم، حيث علينا اللوذ بتلاوته وقراءة مئة آية منه قبل سؤال الله. إن باب الحوائج موسى بن جعفر (ع)، رغم ما قاساه، هو رمز لهذا التوكل الذي يجلب الملايين إليه، فكونوا مع الله صادقين في توكلكم تجدوه عندكم.

“للمزيد من مشاهدة دروس فوائد العقل، يُرجى النقر هنا.”

 

بدون دیدگاه