سیاحة التسبیح؛ الملك ذو العز الشامخ
الحلقة السابعة والاربعون:
بيان عظمة القرار الإلهي في اختيار خليفة الأرض
إنَّ من أعظم المعارف التي يرسّخها القرآن في قلوب المؤمنين معرفة عظمة الله سبحانه وتعالى وتنزيهه عن كل نقصٍ أو شبيه. فالله هو الملك الحق الذي لا يشبه ملكه ملك البشر، ولا يشبه عزّه عزّ الملوك في الدنيا. ومن هنا نفهم معنى الملك ذو العز الشامخ؛ ذلك الملك الذي لا يُردّ حكمه، ولا يُغالب قضاؤه، ولا ينكسر سلطانه.
إنَّ الملوك في الدنيا قد يطيعهم الناس زمناً، ثم يزول ملكهم وتنقلب الطاعة إلى احتقار أو نسيان. أمّا الله تعالى فملكه ثابت لا يزول، وعزّه دائم لا ينقطع، وسلطانه قائم في الدنيا والآخرة.
معنى الملك ذو العز الشامخ
- العز الذي لا يشبه عز البشر:
إنّ الملك ذو العز الشامخ يعني أن عزّ الله تعالى منزّه عن كل عزٍّ بشري. فالعزّ عند الملوك في الدنيا قد يكون قوةً أو سلطةً أو نفوذاً بين الناس، لكنه يظلّ محدوداً بزمنٍ وقدرةٍ بشرية. أما عزّ الله فهو عزٌّ مطلق، لا يقاس بعزّ أحدٍ من خلقه. فإذا قضى الله أمراً فلا يستطيع أحد أن يردّه أو يعارضه، لأن حكمه هو الحكم الحق. - العز الذي لا يزول:
من صفات عزّ الله تعالى أنه عزٌّ دائم. فسلطان البشر قد يزول، وقد يتغير حالهم من القوة إلى الضعف، لكن الملك ذو العز الشامخ لا يتبدل ولا ينقطع. فهو عزٌّ باقٍ في الدنيا، وباقٍ في القبر، وباقٍ يوم القيامة، وباقٍ في الجنة والنار. لا يحدّه زمان ولا مكان، ولا يتغير بتغير الخلق.
شموخ القرار الإلهي
- حين اعترضت الملائكة:
يذكر القرآن الكريم قصةً عظيمة تكشف جانباً من شموخ القرار الإلهي عندما أخبر الله الملائكة أنه سيجعل في الأرض خليفة. قالت الملائكة:﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾. كان هذا تساؤلاً عن حكمة جعل الخليفة من بني آدم، وهم قد يقعون في الفساد وسفك الدماء. لكن الله سبحانه وتعالى أجابهم بكلمةٍ عظيمة تختصر علمه المطلق:﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. - ظهور حكمة الله:
مرّت الأيام والقرون، وتبيّن أن قرار الله كان هو القرار الصائب، لأن الله اختار من بني آدم أنبياء وأولياء وأطهاراً هداةً للبشرية. فلو كان الخليفة من الملائكة لما ظهر مقام الابتلاء والطاعة، ولما ظهرت نماذج الكمال الإنساني التي تجلّت في الأنبياء والأوصياء. وهنا يتجلى معنى الملك ذو العز الشامخ، لأن رأي الله لا يُكسر ولا يُغالب، بل يظهر صدقه مع مرور الزمن.
مثال من سيرة الأنبياء
- النبي محمد وعلي بن أبي طالب:
إن من أعظم الشواهد على حكمة القرار الإلهي أن الله جعل في بني آدم شخصياتٍ بلغت قمة الطهارة والسمو، مثل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام. فقد عاشا في مجتمعٍ مليءٍ بالجاهلية والشهوات، ومع ذلك لم تتلوث فطرتهما بتلك الانحرافات. وهذا يدل على أن اختيار الله لبني آدم لم يكن اختياراً عبثياً، بل اختياراً مبنياً على علمٍ إلهيٍ عظيم. وهذا يؤكد أن الملك ذو العز الشامخ يعلم حقيقة خلقه أكثر مما يعلمون هم عن أنفسهم.
اختيار الإمام المهدي
- الخليفة الذي اختاره الله:
إن من مظاهر القرار الإلهي العظيم اختيار الإمام المهدي عليه السلام ليكون خليفة الله في الأرض في آخر الزمان. فالله سبحانه لم يختر خليفته بناءً على قوةٍ دنيوية أو مكانةٍ اجتماعية، بل اختاره بعلمه وحكمته. وهذا يبين أن الملك ذو العز الشامخ لا تحكمه مقاييس البشر في اختيار القادة أو الحكام، بل تحكمه الحكمة الإلهية التي ترى ما لا يراه الناس. - الزهد في الدنيا:
من صفات الإمام المهدي عليه السلام أنه لا يتعلق بزينة الدنيا ولا بمظاهرها. فالإنسان قد يفتتن بالمناصب أو البلدان أو الامتيازات، لكن أولياء الله يرون أن القيمة الحقيقية في القرب من الله وخدمة دينه. وهذا يبين الفرق بين تفكير البشر المحدود وبين الحكمة الإلهية التي تختار الأصلح لهداية الناس.
الفرق بين العز الإلهي والعز البشري
يمكننا أن نفهم هذا الفرق من خلال عدة أمور:
- العز المؤقت: عزّ الملوك في الدنيا قد يزول مع الزمن، لأن سلطتهم مرتبطة بالناس والظروف.
- العز الحقيقي: أما عزّ الله فهو عزٌّ ذاتي لا يعتمد على أحد، لأنه خالق كل شيء ومالك كل شيء.
- العز الذي لا يُغالب: لا يستطيع أحد أن يقف أمام حكم الله أو يغير قضائه، لأن إرادته نافذة في الكون كله.
وهذا كله يبيّن معنى الملك ذو العز الشامخ الذي لا يشبه ملكه أي ملك آخر.
النتیجة
إن معرفة الله تعالى بصفته الملك ذو العز الشامخ تزرع في قلب المؤمن الطمأنينة والثقة بحكمة الله. فالله لا يخطئ في قراراته، ولا يظلم أحداً في حكمه، ولا يغلبه أحد في سلطانه. ولهذا يدعو القرآن الإنسان إلى طاعة الله والاعتماد على حكمته، لأن من أطاع الله اهتدى وسعد، ومن أعرض عن أمره خسر في الدنيا والآخرة. فسبحان الله الملك الحق، صاحب العز الشامخ، الذي لا شريك له في ملكه، ولا مثيل له في سلطانه، وهو الحكم العدل الذي بيده الأمر كله.
“للمزيد من مشاهدة دروس سیاحة التسبیح، يُرجى النقر هنا.”