القديم الذي لا بدءَ له – تأملات عقائدية حول قِدم الله تعالى

سیاحة التسبیح؛ القديم الذي لا بدءَ له؛ الحلقة 43

أحدث مقاطع الفيديو

سیاحة التسبیح؛ القديم الذي لا بدءَ له

الحلقة الثالثة والاربعون:

القديم الذي لا بدءَ له وتنزيه الله عن الزمان

حين نتأمل في وصف الله تعالى نقول: سبحان القديم الذي لا بدءَ له. كلمة «قديم» في حياتنا نفهمها من خلال آثار الزمن؛ فالإنسان إذا طال به العمر تظهر عليه التجاعيد، والصخور القديمة تتشقق، وكل شيء إذا مرّ عليه الزمن يتغيّر. لذلك حين نصف الله بأنه القديم الذي لا بدءَ له لا نعني هذا النوع من القِدم الذي يجري عليه الزمان، بل نقصد قِدمًا لا يخضع للسنين ولا للأيام. إنّ الله سبحانه ليس كالأشياء التي يمرّ عليها الزمن فتتغيّر أو تضعف، بل هو وجود لا بداية له ولا نهاية.

نحن نتحدث عن أيامنا فنقول: قبل عشر سنوات كانت أيام جميلة، وحدثت فيها حوادث كثيرة؛ لكن حين نصل إلى الله تعالى لا نستطيع أن نتحدث عن «أيام الله» بهذا المعنى الزمني. فالليل والنهار يجريان علينا نحن، أما الله تعالى فليس له زمن يجري عليه. ولذلك فإن وصفه بأنه القديم الذي لا بدءَ له يدخل الإنسان في نوع من الحيرة المعرفية؛ لأن العقل معتاد أن يفهم الأشياء ضمن حدود الزمان، بينما ذات الله منزّهة عن هذه الحدود.

 

غموض معرفة الله وعجز الإنسان عن إدراك ذاته

  • إنّ وصف الله بأنه القديم الذي لا بدءَ له يقودنا إلى الاعتراف بأنّ معرفة ذاته ليست سهلة. الإمام الصادق عليه السلام يعبّر عن هذه الحالة بكلمة الغموض؛ لأن الإنسان كلما حاول أن يحدد لله بداية أو زمناً وقع في الخطأ. نحن نستطيع أن نتحدث عن شجرة عمرها آلاف السنين أو عن حضارة قديمة، لكن الله تعالى ليس «قديمًا» بهذا المعنى، بل هو أزلي لا يرجع إلى زمان.
  • ولهذا فإن الإنسان إذا سُئل: من هو الله؟ يجد نفسه متحيّرًا؛ لا لأن الله مجهول الوجود، بل لأن ذاته أعظم من أن تُحاط بالعقول. نحن نفهم الأشياء المحدودة، أما القديم الذي لا بدءَ له فلا يمكن للعقل أن يحيط به إحاطة كاملة، ولذلك نقول: إلهي، أنت الذي لا ندرك كيفيتك، ولكننا نؤمن بوجودك ووحدانيتك.

 

علم الله الذي لا تعليم فيه

  • ومن صفات هذا الإله القديم الذي لا بدءَ له أنه العالم بغير تعليم. نحن نتعلم بالدرس والقراءة والتجربة؛ نجلس في مجالس العلم ونكرر الكلمات حتى تثبت في أذهاننا. أما الله تعالى فعلمه ليس مكتسبًا، بل هو علم ذاتي محيط بكل شيء. ولذلك قال تعالى: سبحان من أحاط بكل شيء علماً.
  • وقد علّم الله نبيه محمداً صلى الله عليه وآله بطريقة تختلف عن تعليم البشر؛ فلم يكن ذلك بدروسٍ طويلة، بل بإلهامٍ ونورٍ يُلقى في القلب. فالنبي عرف عظمة الله لأن الله عرّفه بنفسه، ولذلك كان أول ما امتلأ به قلبه هو تعظيم هذا الإله القديم الذي لا بدءَ له.

 

وحدانية الله: الواحد الأحد

  • ومن نتائج الإيمان بأن الله هو القديم الذي لا بدءَ له أن نؤمن بوحدانيته المطلقة. فهو الواحد الأحد الذي لا شبيه له ولا نظير. البشر قد يُسمّى أحدهم «واحدًا» بين جماعة، لكن يمكن أن يوجد مثله كثيرون. أما الله تعالى فواحد بمعنى أنه لا يمكن أن يتكرر ولا أن يكون له ثانٍ.
  • ولهذا نقول في التسبيح: سبحان الواحد الأحد. فكل أفعال الله فريدة، وكل عطائه فريد، وكل حلمه فريد. إذا أعطى أعطى عطاءً لا يشبه عطاء البشر، وإذا رحم رحم رحمةً لا يقدر عليها أحد. إنّ الإيمان بهذا الإله القديم الذي لا بدءَ له يجعل الإنسان يشعر بعظمة الله التي لا حدّ لها.

 

النتيجة

خلاصة القول أن التأمل في معنى القديم الذي لا بدءَ له يقود الإنسان إلى تنزيه الله عن الزمان والتغيّر، والاعتراف بعجز العقل عن إدراك كنه ذاته، والإيمان بعلمه المحيط ووحدانيته المطلقة. فكلما ازداد الإنسان معرفةً بهذه الحقيقة ازداد تسبيحًا لله قائلاً: سبحان القديم الذي لا بدءَ له، سبحان الواحد الأحد في وحدانيته.

“للمزيد من مشاهدة دروس سیاحة التسبیح، يُرجى النقر هنا.”

 

بدون دیدگاه