التمسّك بالإمام المهدي أصل النجاة في زمن الغيبة

محاضرات محرم الحرام 1448؛ التمسّك بالإمام المهدي؛ الیوم الخامس

أحدث مقاطع الفيديو

محاضرات محرم الحرام؛ التمسّك بالإمام المهدي

اليوم الخامس من محرم الحرام:

التمسّك بالإمام المهدي أصل النجاة في زمن الغيبة

إنّ من أعظم الابتلاءات التي تمرّ بها الأمّة في زمن الغيبة أن يبتعد الناس عن حقيقة التمسّك بالإمام المهدي عليه السلام، وأن يتحوّل حضوره في وجدانهم إلى مجرّد عنوان أو ذكر موسمي لا ينعكس على واقع حياتهم. وقد جعل الله سبحانه وتعالى الإمام حجّة على خلقه، وجعل معرفته والارتباط به طريقاً للهداية والنجاة، لكنّ كثيراً من الناس ابتُلوا بالبحث عن البدائل، فصاروا يستقون أفكارهم ومناهجهم من مصادر بعيدة عن الأصل الذي أنزله الله لعباده.

إنّ الإمام الصادق عليه السلام يبيّن أنّ الله لم يترك عباده بلا طريق، بل جعل لهم إماماً وهادياً، وجعل في الأرض من يدلّ عليه ويأخذ بأيدي الناس إلى سبيله. ولذلك فإنّ التمسّك بالإمام المهدي ليس قضية عاطفية فحسب، بل هو منهج حياة متكامل يشمل العقيدة والفكر والسلوك والعمل، ويجعل المؤمن دائماً مرتبطاً بالأصل النازل من السماء، بعيداً عن الأهواء والبدائل التي تصنعها العقول البشرية القاصرة.

 

خطر البدائل والابتعاد عن الإمام المهدي

  • التمسك بالنظريات البشرية وترك الأصل الإلهي:
    لقد حذّرت الروايات من الانشغال بالبدائل التي يبتكرها البشر بعيداً عن هدي السماء. فحين يترك الإنسان الإمام ويتعلّق بالنظريات والأفكار المتغيّرة، فإنه يبتعد شيئاً فشيئاً عن طريق الحق. ولهذا أكّدتُ أن المشكلة ليست في وجود الأفكار المختلفة فحسب، بل في تقديمها على الإمام الذي جعله الله باباً للعلم والهداية. إنّ التمسّك بالإمام المهدي يعني أن يكون المرجع الأول في الفكر والاتجاه والغاية، لا أن يتحوّل إلى عنوان ثانوي في حياة المؤمن.
  • الشعور بالاستغناء عن الإمام:
    من أخطر الأمراض التي تصيب الإنسان أن يشعر بأنه لا يحتاج إلى الإمام في تفاصيل حياته. فالبعض يظن أنه قادر على إدارة شؤونه بعيداً عن توجيهات أهل البيت عليهم السلام، بينما الحقيقة أن الغيبة لا تعني الاستغناء، بل تعني ازدياد الحاجة والاضطرار. إنّ المؤمن الصادق يستشعر دائماً حاجته إلى إمامه، ويرى أن كل إصلاح حقيقي يبدأ من التمسّك بالإمام المهدي والرجوع إلى منهجه المبارك.
  • سبب التفرّق والشتات:
    لقد أوضح أمير المؤمنين عليه السلام أن التفرّق يبدأ عندما يترك الناس الأصل ويتمسكون بالفروع. وكلّما ابتعدت الأمة عن الإمام الجامع لكلمتها كثرت الخلافات والاتجاهات المتناقضة. أما إذا اجتمعت على الأصل الذي أراده الله، فإنها تقترب من الوحدة والقوة. ولهذا فإنّ التمسّك بالإمام المهدي يمثل علاجاً لحالة الشتات التي تعاني منها الأمة في مختلف الميادين.

 

العطش الحقيقي إلى الإمام المهدي

  • معنى الاضطرار إلى الإمام:
    إنّ الإنسان العطشان لا يفكر إلا بالماء، وكذلك المؤمن الحقيقي ينبغي أن يعيش حالة العطش إلى إمامه. وقد وردت في بعض القصص المروية إشارات بليغة إلى أن تأخر الفرج يرتبط بضعف حالة الطلب والاضطرار عند الناس. فلو كان شوق المؤمنين إلى الإمام بمقدار حاجتهم إلى الماء في شدة العطش، لتغيرت أحوال كثيرة. ولذلك فإنّ التمسّك بالإمام المهدي يبدأ من القلب قبل أن يظهر في اللسان والشعارات.
  • تحويل الانتظار إلى عمل:
    ليس الانتظار مجرد أمنيات وأحاديث، بل هو مشروع عملي. فمن يدّعي محبة الإمام المهدي عليه السلام ينبغي أن ينعكس ذلك على أخلاقه وسلوكه وعلاقته بالناس. فالصدق والأمانة وأداء الحقوق واحترام الآخرين كلها من مقدمات التمهيد للظهور. ولهذا فإنّ التمسّك بالإمام المهدي يظهر في بناء الإنسان الصالح قبل أي شيء آخر.
  • صناعة البيئة الممهدة للظهور:
    إنّ المجتمع الذي ينتظر الإمام حقاً هو المجتمع الذي يسعى إلى نشر العدالة والإصلاح والتعاون. فالمؤمن لا يكتفي بالدعاء للفرج، بل يعمل على إعداد نفسه وأسرته ومحيطه ليكون أهلاً لنصرة الإمام إذا ظهر. ومن هنا فإنّ التمسّك بالإمام المهدي لا يقتصر على الجانب الروحي، بل يمتد إلى بناء مجتمع مؤمن واعٍ ومستعد لتحمل مسؤولياته.

 

مسلم بن عقيل نموذج الوفاء للإمام

  • سفير الحسين وثقته:
    حين أرسل الإمام الحسين عليه السلام مسلم بن عقيل إلى الكوفة، وصفه بأنه أخوه وابن عمه وثقته من أهل بيته. وهذا الوصف يكشف عظمة المكانة التي كان يحتلها مسلم عند الإمام. لقد حمل رسالة الحق، وسعى إلى جمع الناس على نصرة الحسين، وكان مثالاً للرجل الذي يعيش معنى الطاعة والوفاء والانتماء الصادق إلى إمامه.
  • الغربة بعد تخلي الناس:
    من أشد المشاهد ألماً في سيرة مسلم بن عقيل تلك اللحظات التي بقي فيها وحيداً بعد أن تفرق الناس عنه. فبعد أن بايعه الآلاف، وجد نفسه غريباً في أزقة الكوفة لا يجد ناصراً ولا معيناً. وهذه الصورة تذكرنا بغربة الإمام المهدي عليه السلام في زمن كثرت فيه الشعارات وقلّت فيه المواقف العملية. إنّ التمسك الحقيقي بالإمام لا يظهر في أوقات الراحة، بل عند الامتحان والثبات.
  • الشهادة والثبات على المبدأ:
    لقد واجه مسلم بن عقيل أعداءه بشجاعة عظيمة، ولم يتراجع عن موقفه رغم الحصار والخذلان. وعندما أُسر واقتيد إلى قصر ابن زياد بقي ثابتاً على ولائه لأهل البيت عليهم السلام. وهكذا تحولت حياته إلى درس خالد في التضحية والصبر والثبات على الحق، ليبقى قدوة لكل من يريد السير في طريق الأئمة الأطهار.

 

مسؤولية الأمة تجاه الإمام المهدي

  • معرفة الإمام حق المعرفة:
    إنّ أول الواجبات هو أن نعيد للإمام المهدي مكانته الحقيقية في حياتنا. فلا يكفي أن نؤمن بوجوده، بل يجب أن نعرف دوره ورسالته وموقعه في مشروع الهداية الإلهية. فكلما ازدادت المعرفة ازداد الارتباط، وكلما ازداد الارتباط ازداد أثر الإمام في حياة الإنسان.
  • نبذ البدائل والرجوع إلى الأصل:
    إنّ كثيراً من الأزمات الفكرية والاجتماعية تنشأ من تقديم البدائل على الأصل. ولذلك فإن الواجب يقتضي مراجعة أنفسنا دائماً، والسؤال: هل نحن حقاً متمسكون بالإمام أم أننا استبدلنا هديه بأفكار أخرى؟ إن النجاة تكون بالرجوع إلى الأصل الذي نصبه الله لعباده.
  • الاستعداد الحقيقي للظهور:
    الظهور المبارك لا يحتاج إلى شعارات بقدر ما يحتاج إلى رجال صادقين. رجال يحملون قيم العدالة والوفاء والتقوى، ويجسدون أخلاق أهل البيت عليهم السلام في واقعهم العملي. وهؤلاء هم الذين يهيئون الأرض لاستقبال دولة الحق والعدل.

 

النتيجة

إنّ الرسالة التي أؤكد عليها في هذا المجلس هي أن التمسّك بالإمام المهدي عليه السلام هو طريق النجاة في زمن الفتن والاختلاف، وأن أخطر ما يهدد الأمة هو الانشغال بالبدائل وترك الأصل الذي نصبه الله هادياً لعباده. كما أن سيرة مسلم بن عقيل تمثل نموذجاً عملياً للوفاء والثبات والتضحية في سبيل الإمام والحق. فكلما ازداد تمسكنا بالإمام، واشتد شوقنا إليه، وعملنا على إصلاح أنفسنا ومجتمعاتنا، اقتربنا من تحقيق الوعد الإلهي وتهيئة الأرض لظهوره المبارك.

“للمزيد من مشاهدة محاضرات محرم الحرام، يُرجى النقر هنا.”

 

بدون دیدگاه