شمس لاتغيب؛ الإمام المهدي يختم الدين؛ الحلقة 53

أحدث مقاطع الفيديو

شمس لاتغيب؛ الإمام المهدي يختم الدين

الحلقة الثالثة والخمسون:

المهدي يختم الدين: سفينة النجاة في زمن الفتن

نتحدَّث في هذه الجلسة المباركة عن حديثٍ شريفٍ عظيم، رواه أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وآله، وهو يصف بهِ رجلاً عظيم الشأن يظهر في مرحلةٍ حسّاسة من تاريخ البشرية. يقول صلى الله عليه وآله: “يكون عند انقطاعٍ من الزمان وظهورٍ من الفتن رجل يُقال له المهدي، ويكون عطاؤه هنيئاً، يتهنّى الإنسان من عطاء الإمام المهدي صلى الله عليه وسلم”. هذا النصّ، أيّها الأحبّة، يحمل في طيّاته مفاتيح ضرورية لفهم آخر الزمان ودور هذا المنقذ العظيم.

إنَّ مفهوم انقطاع الزمان هنا ليس توقّف الوقت، بل هو انقطاعٌ في سريان الحياة الطبيعية التي تجري بالأرزاق والأمان، كما شهدنا في حالات تاريخية كسامراء. أما ظهور الفتن فمعناه امتزاج الحقّ بالباطل؛ إذ تظهر تحت غطاءٍ خادع من الكرامة لكنّها في باطنها لؤم وفساد. وفي ظلّ هذه الفتن، يظهر أمره، ويتجلّى ويغلب البلاد والعباد، هذا الرجل الذي يُقال له المهدي. وقد أيَّد النبي صلى الله عليه وآله أنه منا، مجيباً على سؤال علي بن أبي طالب عليه السلام: “بل من يختم الله به الدين كما فتح بنا”، فهذا يؤكد أن المهدي يختم الدين.

 

دور الإمام المهدي في إكمال الدين والتشريع

إنّ قوله صلى الله عليه وآله: “يختم الله به الدين” هو جوهر المسألة، وهو ما يجعلنا نؤكّد على الكلمة المفتاحية الجوهرية: المهدي يختم الدين. هذا يعني أنّ المهدي عليه السلام لا يأتي بتشريعٍ جديد، بل يكمّل الدين ويقود الناس في فهم أصول حياتهم وتفاصيلها المتجدّدة. فالدين، أيّها الأعزاء، ليس محصوراً بالعبادات الشعائرية فحسب، بل هو منظومة شاملة لحياة الإنسان، تعلّمه كيف يعيش، وكيف يتعامل مع شؤونه اليومية، من زواج وأكل وشرب وسفر.

  • شمولية الدين لكل أدوات العصر:
    هذا الدور يتّسع ليشمل كلّ الأدوات المتاحة في زمانه، من الجمال والخيول والأراضي في العصور الماضية، وحتى التكنولوجيا الحديثة، والمدن الكبرى، والسيارات والطائرات في عصرنا هذا. إنّ الإمام المهدي يعلّم الناس كيفية التعاطي مع هذه الأدوات، وكيفية استخدام كلّ وسيلة بطريقة شرعية وعقلانية تضمن سعادة الإنسان وسلامته، دون أن تهدم حياته مع التقدم والتكنولوجيا. هذا هو الدين الجامع للسنن العملية والأخلاقية.

  • المهدي يختم الدين كمنقذ ومرشد:
    المهدي يختم الدين بمعنى أنه سيقود البشر ويعلّمهم كيفية التكيّف والتعايش مع متغيّرات الزمن والحياة الحديثة، مستخدماً كلّ وسيلة مادية متاحة دون الابتعاد عن التوحيد الحق. هو المنقذ والمنجد، وسفينة النجاة التي تظهر لتعلمنا كيف نعيش مع الوضع القائم والمستجدّات، تماماً كما فتح رسول الله صلى الله عليه وآله بالدين، وعلّمنا كيف نحفظ أنفسنا من الشرك بالله ومن أهواء الدنيا ومغريات الفساد.

 

الفتن الكبرى وإصلاح القلوب المتنافرة

إنّ الحديث الشريف يركّز على نقطتين جوهريتين تُشكّلان صميم دور الإمام عليه السلام في زمن ظهوره، وهي تتعلّق بإصلاح ما فسد من عقيدة وذات بين:

  • محاربة فتن التوحيد والعدالة تحت ستار الحق:
    اليوم، نجد الفتن تظهر تحت غطاء التوحيد، حيث يدّعي البعض التوحيد بينما يدعون في الواقع إلى أشكالٍ من الشرك، كالقول بـ “لا إله إلا الله” مع ممارسات أو فلسفات غريبة تقود إلى الابتعاد عن الله. وكذلك يُنسب الجور والظلم إلى الله تحت عنوان العدالة الإلهية في مدارس الفلسفة. وهنا يظهر دور الإمام المهدي عليه السلام ليُنقذ المسلمين من شرّ هذه الفلسفات والفتن التي يمتزج فيها الحقّ بالباطل، ويهديهم إلى الصراط المستقيم، فيحفظ الدين ويقيم عدل الله على الأرض. هذا هو جزء من مفهوم أن المهدي يختم الدين.

  • تأليف القلوب بعد عداء الفتنة والتناحر:
    المشكلة الأخرى الكبرى هي القلوب المتنافرة والمتناثرة بسبب الفتن والتناحر الذي يحدث بين الإخوة. إنّ الإمام المهدي عليه السلام يصلح هذه القلوب ويعيدها إلى وفاقها. بعد وقوع الفتنة وانقسام الناس، يحدث التباعد والعداء، فيأتي الإمام لرفع هذه الفتنة، ويعيد الألفة بين القلوب كما ألف رسول الله صلى الله عليه وآله بين قبائل الأوس والخزرج بعد عداء الشرك. إنّ توحيد الله هو ما جمع القلوب في زمن النبي، وبنفس الطريقة، بعد عداء الفتنة، يجعل الإمام المهدي المسلمين إخوة متحابين، متفانين، متصالحين، يُقدّمون المصالح العامة ويكرّمون بعضهم بعضاً.

 

النتيجة

إنَّ الإمام المهدي عليه السلام هو الختام المُنقذ للأمة، الذي يحمل لواء إكمال الدين لا تغييره، وهو الذي يضمن لنا استمرار صلاح الأمة في كلّ زمان ومكان. دوره يتجاوز إقامة العدل الظاهري ليشمل إصلاح القلوب وإعادة توحيد الأمة تحت ظلّ شريعة شاملة تتعامل مع كلّ مستجدات الحياة الحديثة بأسلوب شرعي وعقلاني، يحفظ الإنسان من الانحراف نحو الشرك أو الفساد. إنّ تدخّله سيحوّل الأحزاب والقبائل والأمة من حالة الفتن والعداوة إلى وفاق وإخاء، وإلى تعاون وإيثار وكرم، ويصبحون إخوة في الدين، ملتزمين بالطاعة والعدل، تماماً كما أراد الله ورسوله. عطاؤه هنيء، ليس فقط مادياً، بل روحيًا وتشريعياً، لأنه يقدّم نموذجاً للحياة المتكاملة التي لا تهدمها أدوات العصر، بل تسخّرها لخدمة الإنسان والتوحيد.

“للمزيد من مشاهدة دروس شمس لا تغيب، يُرجى النقر هنا.”

 

بدون دیدگاه