شمس لاتغيب؛ الأسماء الحسنى والتجلي الإلهي
الحلقة العشرون:
تجليات التوحيد وتنزيه الحق في الأسماء الحسنى
لقد ذكرنا في مستهل حديثنا هذا جملةً من الأسماء الحسنى والتجلي الإلهي الذي يفيض على هذا الكون، فقلنا: هو المهيمن، الملك، القدوس، السلام، المؤمن، العزيز، الجبار، المتكبر؛ فسبحان الله عما يشركون. إنني أؤكد لكم، من منبر هذا البحث، أن الله تعالى منزهٌ عن كل شرك يشركه الناس به، سواء كان ذلك في أفعالهم أو في تصوراتهم القاصرة. إن هؤلاء الذين يزعمون أنهم يشركون الله في قراراته وأفعاله، ما هم إلا غافلون غفلةً طبقت على قلوبهم عن حقيقة الأمر اليقيني.
إن القرارات الإلهية نافذة فينا رغماً عن كل شيء، ومن حيث لا ندري تجري مشيئة الله وتنفيذ حكمه في كل صغيرة وكبيرة من تفاصيل حياتنا. إنني أرى أن تنزيه الله أعظم بكثير من أن يدركه البشر بعقولهم المحدودة، وإن خلق الدنيا بكل ما فيها من عجائب لهو أكبر برهان ناطق على عظمة وتنزه الرب سبحانه. فالتوحيد الحقيقي يقتضي نفي الشريك في الإرادة والتدبير، وهذا ما تظهره لنا بوضوح معاني الأسماء الحسنى والتجلي الإلهي في كل ذرة من ذرات الوجود.
“لمشاهدة الحلقة 20 من الدروس سیاحة التسبیح علي يوتيوب اضغط هنا.”
أسرار التكوين وحقيقة الشرك وقهر القهار
- الحضور الإلهي بين الأزل والأبد:
يُعجب الإنسان العاقل من حكم الله وعجائبه في الخلق، ومن نفوذ أمره ونهيه في هذا الكون الفسيح. إن الله هو الأول والآخر؛ ففي بداية التكوين كان هو الموجِد من العدم، وفي نهاية الفناء هو الباقي وحده. كل شيء موجود بقدرته، وفي لحظة خاطفة ينتهي بمشيئته، ونحن نؤمن يقيناً بأن الله رحمن رحيم، وأفعاله كلها صحيحة وسليمة، وكل ما يحصل في الكون هو من حصاد وحصيلة محمودة. - بطلان الشرك وقدرة الواحد القهار:
إن معنى الشرك باطل وزائل لا يدوم، وفي يوم القيامة سيتضح للجميع أنه لا شريك له، وسيكون الملك لله الواحد القهار الذي يقهر العباد بعظمته. حتى في أدق الروابط البشرية، نرى الأم التي ترعى طفلها وتقسو عليه أحياناً لمصلحته، كل ذلك يتم بإذن الله؛ فلو شاء الله لما استطاعت أن تتحمل أو تعين أطفالها، وهذا القصور البشري يظهر عظمة الرب في إعطاء النعم وصناعة الأطوار. - العبادة والاستعانة في محراب الخالق والبارئ:
حين نلهج في صلاتنا بقوله تعالى: “إياك نعبد وإياك نستعين“، فإننا نؤكد أن عبادتنا واستعانتنا يجب أن تكون لله وحده. نحن قد لا نفهم كيفية حفظ الله للبلاد والأرض والسماء، ولكننا نلمس هذا الحفظ في كل أحوالنا، حتى في لحظات الفرح والعرس أو الحزن والهم. ومن لطائف رحمته أن الإنسان قد يرى في منامه ما يكون كفارة لذنوبه، وهذا من رحمة الله التي لا يحيط بها علمنا.
التفرد في الإبداع وتجليات المصور والعزة الإلهية
- الخلق الإلهي مقابل الخلق البشري:
لقد تفرد الله بكونه “الخالق البارئ المصور“، وإن كلمة الله متفردة لا نظير لها. قد نرى بشراً “يخلقون” رسماً أو كلمة أو خطاباً، لكن هذا خلق محدود ومقيد بالأسباب. أما الدرس نفسه، والبيان، والقصة، فكلها في الحقيقة من خلق الله وإبداعه. هؤلاء المبدعون في الفن أو البيان إنما يبدعون بتوفيق الله وإذنه، فهو الذي برأ السماوات والأرض وأظهر الخلق البديع من عدم قبل المادة والمكان. - جمال التصوير واللطف الرباني:
عند التصوير الإلهي، نجد أن الله تعالى هو وراء كل بديع ومبدع في الطبيعة والكون. القرآن الكريم يلفتنا إلى الصور الخلابة، كصور القطيع والغنم والجمال، التي تبعث الروح والراحة في النفس. إن الأسماء الحسنى والتجلي الإلهي تعكس كماله المطلق؛ فالرب تبارك وتعالى لطيف، والتعامل معه موفق ومربح، فهو يعمل لمصلحتنا أكثر مما نفكر نحن في مصالحنا، سواء في الماضي أو تكفير ذنوبه أو في المستقبل. - كمال الأسماء وقدسية الانتقام الإلهي:
إن الأسماء الحسنى كلها حسنة، ولا توجد فيها أسماء ذميمة، بخلاف أسماء البشر التي قد ترمز للجهل أو النقص. حتى الأسماء التي تشير إلى الانتقام، هي في جوهرها عدل ورحمة في موضعها. إن انتقام الله من أعداء الصديقة فاطمة الزهراء (عليها السلام) هو عمل مبارك يقرّ عينها، لكنه انتقام يتسم بالحلم والتؤدة، يعطي المهلة ثم يأخذ بالحق بطريقة تعلو على مدارك الجن والإنس والملائكة. - عزة العزيز وحكمة الحكيم في البلاء:
الله هو “العزيز الحكيم“، يتعامل بعزة وحكمة؛ فإذا أخذ من العبد محبوباً، رفعه وأعزه. انظروا إلى الإمام الحسين (عليه السلام)؛ بالشهادة صار سيد الشهداء، وفي لحظة الذبح كان مكيناً عزيزاً في الجنان، ولذلك قالت السيدة زينب (عليها السلام): “ما رأيت إلا جميلاً“. وهذا الإمام الصادق (عليه السلام) حين مات ابنه قال: “الحمد لله الذي يقتل أولادنا فلم نزد له إلا حباً”، لأنه يعلم أن الله عوضٌ عن كل فائت.
النتيجة
نخلص من هذا البيان إلى أنه لا يوجد “فوات” حقيقي في الدنيا للمؤمن المرتبط بمصدر العزة. إن أبناء الدنيا يحزنون على فوات المال والسلطة والجمال، أما المؤمن فيصبر على قضاء الله لأن الله عزيز حكيم، وحكمته بالغة ومحكمة. وبعد حين، تنجلي الغبرة ونفهم أن كل ما جرى كان حكمة بالغة ورحمة خفية، وكما قال أمير المؤمنين علي (عليه السلام) إن كل ما يجري وراءه حكمة ورحمة، فالمؤمن يرى من خلال الأسماء الحسنى والتجلي الإلهي أن تدبير الله خير من تدبيره لنفسه.
“للمزيد من مشاهدة دروس سیاحة التسبیح، يُرجى النقر هنا.”