سیاحة التسبیح؛ التوكل والاستعاذة بالله
الحلقة الثانية:
حقيقة التفويض والاعتماد على الخالق
عندما نقف بخشوع في محراب “دعاء الإخلاص” ونتأمل في تلك الرحاب القدسية لأسماء الله الحسنى، تسترعي انتباهنا عبارة عميقة الدلالة وهي: “وعليه أتوكل”. إنني أؤكد لكم أن قضية التوكل والاستعاذة بالله ليست مجرد لقلقة لسان أو كلمات عابرة نرددها في خلواتنا، بل هي ممارسة قلبية عميقة ويقين عملي يقتضي من العبد ألا يعتمد على نفسه الضعيفة أو قدراته المحدودة، بل يلقي بزمام أموره كلها إلى من بيده ملكوت كل شيء. إن هذا المسار هو الذي يحدد جوهر علاقة المخلوق بخالقه، حيث يتجرد الإنسان من حوله وقوته ليدخل في حصن الله الحصين.
يا أيها العزيز، لا تجعلنَّ اعتمادك الكلي على تدبيرك الشخصي المخطئ، بل قل بصدق ومن أعماق جوارحك: “يا الله”، واتخذه وكيلاً حقيقياً يمشي لك أمورك ويسهل لك عسيرها؛ فإن الله سبحانه يقول في محكم كتابه: “قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ”. إنني أرى أن مقدار نجاح العبد في طلباته ونيل مراده مرهون بمقدار قربه من الله وتوجهه الصادق نحوه؛ فكلما تقربت إليه شبراً تقرب إليك أذرعاً، وبارك في مشاريعك وحياتك فوق ما تتمناه وتتخيله، وهذا هو جوهر التوكل والاستعاذة بالله في ساعات الشدة والرخاء على حد سواء، ليكون الله هو الغاية والمستند.
الاستسلام لأمر الله وسيرة أمير المؤمنين (ع)
-
التحصن بكنف الله:
حينما تضع نفسك بصدق في كنف الله وحمايته الدائمة، فلن تضرك الحوادث والفتن التي تدور من حولك، لأنك فوّضت الأمر كله لمن هو بصير بالعباد. إن التوكل والاستعاذة بالله يمنحان الإنسان مناعة نفسية صلبة ضد الخوف من المستقبل المجهول، ويجعلانه يردد بلغة اليقين المطلق: “أُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ”، فلا يقع في قلبه اضطراب، بل يسكن فيه ما أراده الله له من خير وسكينة وطمأنينة. -
ثبات اليقين عند الشدائد:
انظروا بتمعن إلى سيرة مولى الموحدين علي بن أبي طالب (عليه السلام)؛ فعندما صاحت الأوز في وجهه في تلك الليلة العظيمة التي سبقت شهادته، لم يدخل قلبه ذرة من خوف أو تراجع، بل قال بلسان العارف: “صوائح تتبعها نوائح”. لقد كان مستعداً للموت واللقاء الإلهي بيقين ثابت لا يتزلزل، ولم يجزع قط عندما حاولت ابنته أم كلثوم منعه من الذهاب للمسجد، بل كان استسلامه المطلق لأمر الله يفوق روعة الوصف البشري. -
القيود العبادية و”قيد الحب”:
نحن في حياتنا اليومية نقيد أنفسنا ببعض الأمور العبادية مثل صلاة الصبح ودعاء الافتتاح، وهذا الالتزام ليس فيه أدنى ذل، بل هو “قيد حب” وشوق لله تعالى وحده. إن عبادتي وخضوعي محصوران فيه سبحانه، وهذا هو المعنى الدقيق لتقديم الحق في قوله “له أعبد”؛ فأنا لا أقيد نفسي بشيء لا يحبه الله أو لا يرضاه، بل أمارس التزامي الروحي بكل ما يرضيه ويقربني من ساحة قدسه.
الاستعانة بالله وبالأسباب الربانية
-
الحاجة الدائمة للمعونة الإلهية:
إننا نحتاج إلى أن نستعين بالله في كل شأن من شؤوننا، بدءاً من أول لقمة نأكلها وصولاً إلى انتفاعنا الصحي بها، فالإنسان المؤمن الواعي يدرك تماماً أن التوكل والاستعاذة بالله هما السبيل الوحيد لكل توفيق ونجاح. لا يمكننا فعل أي شيء أو تحقيق أي إنجاز بدون مدده سبحانه، لذا نكرر في كل صلاة: “إياك نستعين”، وهي إعلان صريح وواضح بالتبرؤ من كل حول وقوة بشرية إلا به وبقدرته. -
الاستعانة بالربانيين وأولياء الله:
نحن في منهجنا التوحيدي لا نستعين بالكفار أو بمن لا يؤمن بآيات الله ووصية الأئمة، بل نستعين بالله أولاً وبمن أذن الله لنا بالاستعانة بهم وهم “الربانيون” المخلصون. إن طلب المساعدة والمعونة من أهل البيت (عليهم السلام) هو في جوهره وحقيقته استعانة بالله تبارك وتعالى؛ لأنهم وسائط الفيض الإلهي ونور الله المتجلي في أرضه، وهم الأسباب والوسائل التي جعلها الله لنا لنتجاوز بها صعاب الدنيا والآخرة.
الاستعاذة من شرور الحاسدين والعيون
-
أثر العين والحسد في الواقع:
لقد حذرنا القرآن الكريم بوضوح من شر الغاسق والنفاثات في العقد ومن الحاسدين، فالعين حق ولها أثر تكويني، وكما ورد في التعبير الدارج: “العين تُدخل الرجل القبر وتُدخل الجمل القدر”. لذا يجب على كل مؤمن أن يحصن نفسه وأمواله وعائلته بذكر الله الدائم، وألا يظهر كل نعمة أمام الحاسدين الذين ضاقت نفوسهم ولا يتحملون رؤية فضل الله الواسع عليك وعلى غيرك. -
التحصن بالمعوذات وبالولاية:
أقول لكم بكل ثقة: به أعوذ، وبمحمد وآله ألوذ في كل حين؛ فالعالم من حولنا مليء بشياطين الإنس الكذابين والمؤثرات النفسية السلبية. إن قراءة المعوذات والتحصن بذكر الله هو الدرع الواقي والمنجي من كل “وسواس خناس”، ومن كل نفس حاقدة. تذكروا دائماً أن من استجار بصدق بعلي بن أبي طالب (ع) فقد تحصن في الحقيقة بالقوة الإلهية العظمى التي قلعت باب خيبر وحطمت حصون الكفر.
النتيجة
إن خلاصة هذا البحث الإيماني تؤكد لنا أن طريق النجاة الوحيد يتمثل في الخروج من ضيق الاعتماد على النفس إلى سعة الاعتماد على الخالق من خلال التوكل والاستعاذة بالله في كل مسارات الحياة؛ فالمؤمن الذي يجعل الله وكيله الدائم، وأهل البيت (عليهم السلام) وسيلته العظمى، والتحصن بالمعوذات درعه الحصين، سيجد نفسه محاطاً بالعناية الإلهية التي تقيه من شرور شياطين الإنس والجن وتمنحه القوة لمواجهة تحديات الزمان بيقين ثابت لا يزول، مستمداً شموخه من ولاية أمير المؤمنين (ع) التي هي حصن الله الذي من دخله أمن من عذابه وشرور خلقه.
“للمزيد من مشاهدة دروس سیاحة التسبیح، يُرجى النقر هنا.”