شمس لاتغيب؛ القيادة الإلهية في آخر الزمان
الحلقة الثالثة والثلاثون:
حقيقة آخر الزمان ووعد العدل الإلهي
قال أبو سعيد الخدري: سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وآله يقول على المنبر: «المهديُّ من عترتي، من أهلِ بيتي، يخرجُ في آخرِ الزمان، تُنزلُ له السماءُ قطرَها، وتُخرجُ له الأرضُ بذرَها، فيملأُ الأرضَ عدلاً وقسطاً كما مُلِئت ظلماً وجوراً». هذه هي حقيقةُ الوعدِ الإلهي الذي ننتظره جميعاً. إن حقيقة آخر الزمان الذي نعيش فيه هي زمانُ حُكمِ الأنظمة التي جُرِّبت وفشلت. فالتاريخُ جرّب كلَّ هذه الأنظمة: من حُكمِ العبيد، إلى حُكمِ الأغنياء، ومروراً بحُكمِ الشيوخ والسادة، وحُكمِ الطوائف المختلفة، وكلُّها استلمت الحكم ولكن كلُّها فشلت في تحقيق السعادة للبشرية.
لقد تركت هذه الأنظمة وراءها بلاداً مليئةً بالمظلومين والفقراء، مليئةً بمن لم يصلهم الحق. هذه الدنيا التي خُلقنا لها لم تتحقّق؛ بل ما حصل هو أن الأشقياء ركبوا على رقاب السعداء. ليست القضية قضية دولةِ المؤمنين التي لم تستطع أن تُسعد البشرية، ولا دولةِ الظالمين التي لم تستطع أن تُصلحها، بل القضية قضيةُ النظام الإلهي الكامل الذي لا يمثله إلا رجلٌ واحد. فالحُكمُ حتى بيد الأنبياء يتطلب وعياً تاماً وعلماً كاملاً بالقرآن، وهذا العلم من الدفّة إلى الدفّة لا يتوفر إلا عند المهدي من عترتي.
الإصلاح الجزئي وضرورة الحكم الإلهي الكامل
إن الإصلاح الذي يدّعيه البعض، سواء تحت راية “جمهورية إسلامية” أو “ملَكية إسلامية” أو غيرها، هو إصلاحٌ نسبيٌّ وجزئيٌّ لا يُحدث التغيير الجذري المطلوب. كلّ من جاء وجلس على كرسي الحكم، حتى مع صدقه ونيّته للإصلاح، رأينا أنّه زاد الفساد والألم، ولم يُصلح حقاً. المسألة ليست في النوايا، بل في العلم والإذن الإلهي.
- فشل المصلحين الصادقين في إقامة الحكم القرآني:
لقد رأينا المختار، على الرغم من فكره وقيامه ليأخذ بثأر الحسين، لم يمضِ معه الإمام زين العابدين، لأنّ المهدي من عترتي هو القائم بالإصلاح الشامل. ودعني أضرب لك مثلاً برجل أحبّه الله كثيراً، وهو زيد الشهيد، الذي قام وجاهد واستُشهد ويدخل الجنّة بغير حساب. لكنّه، وهو الصادق الشهيد، لم يقدر أن يُجري حكماً إسلامياً واحداً وفق الرؤية الإلهية الكاملة. لقد أطلق سراح الأسرى، فذهبوا واتفقوا عليه، وجاؤوا بالسلطة فقتلوه. أي أعان بنفسه على قتل نفسه، لأنه لم يكن يعرف كيف يُجري حكم القرآن من الدفّة إلى الدفّة. إن لم يحكمنا القرآن، فالإصلاح لا يقوم، حتى لو كان زيد الشهيد على رؤوسنا.
- علم القرآن كشرط للحكم الإلهي:
إن الله يريد أن يقول: المسألة ليست إلا في بيت خليفتي. الثورات، حتى ثورات المؤمنين الصادقين، كلّها تُسحق إذا لم يكن القائم عالماً بالقرآن من الدفّة إلى الدفّة. كيف تُنادي بالإصلاح ولا علم لك بالقرآن؟ الله لم يُنزِل رسالةً على زيد الشهيد ولا على المختار. إنهم مُصلحون وطيبون وصادقون، لكنّهم لا يعرفون القرآن كلّه. ابن عباس نفسه يقول: “مهديُّ الأمم هو الذي يعرف القرآن كلَّه“. فالذي يريد الله أن يحكم باسمه على الأرض يجب أن يكون واحداً يحمل علم القرآن، وهذا الواحد هو فقط: المهدي من عترتي عليه السلام، وهو ما يمثل القيادة الإلهية في آخر الزمان.
قضية السيادة: النسب والعلم والإيمان
رسول الله صلى الله عليه وآله يؤكد هذه القضية ويقول: «لو لم يبقَ من الدنيا إلا يومٌ واحد، لطوّل الله ذلك اليوم حتى يخرجَ رجلٌ من أهل بيتي…». هذه هي قضيةُ السيادة، وقضية القيادة الإلهية في آخر الزمان.
- وجوب الحاكم السيد من أهل البيت:
الحاكم الذي يُقيم القسط لا بدّ أن يكون من أهل بيتي، سيداً من ذريّتي، ولا يمكن الاعتذار يوم القيامة لمن ينتخب غير سيّد أميراً عليه. القضية ليست مزاجاً ولا رأياً ولا انتخابات، بل هي قضية علم وإيمان ونَسَب. الله فوّض الملك كلَّه لرسوله، ورسولُ الله فوّضه لأهل بيته. كيف يأتي إنسان ويختار اختياراً ثانياً فوق اختيار الله؟ كيف نسلم مقاليد الأرض لغير من جعلهم الله خزنةً لمقاليد الجنّة والنار؟ هذه أنظمة جمهوريّة لا تُحسن إلا تزيين رأي الأكثريّة، التي يقول عنها القرآن: “وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ“
- الأكثريّة لا تمثل إرادة الله:
خلقُ الله لا يحكمه إلا من اختارهم الله. الله خلق طين نبيّه محمد، ومكّن حبيبه علي بن أبي طالب من الخَلقِ بأمر الله، وفاطمة أعطاها الله سلطانَ الأنهار، فكيف تأتي وتحكم غيرهم؟ هذا كلام كلّ من يؤمن بالثقلين، القرآن والعترة. رسول الله ﷺ يقول: «لو لم يَبقَ من الدنيا إلّا يومٌ واحد لطوَّل الله ذلك اليوم حتى يبعث رجلاً منّي؛ من دمي ولحمي، يواطئ اسمُه اسمي واسمُ أبيه اسمَ أبي، يملأ الأرضَ قِسطاً وعدلاً كما مُلِئَت ظُلماً وجَوراً». الحاكم يجب أن يكون سيداً مصطفى، يملك العلم والإيمان ويُؤتَمن على الدين. المهدي من عترتي اسمه محمد بن الحسن المهدي، لا غير.
علامات الإمام المهدي وقيام دولته
مسألة الإمام المهدي من عترتي مسألة دقيقة؛ الصلاةُ خلف إمامٍ غير صحيح لا تُقبل، والصيام كذلك. القيادة الإلهية في آخر الزمان لا يُمكن أن تُوكل إلا لصاحب الشروط الكاملة.
- وضوح العلامات لمن لا يلتبس عليه الأمر:
الإمام المهدي له علامات واضحة، ذكرها رسولُ الله ﷺ: اسمُه، اسمُ أمّه، نسبُه، صفاتُ وجهه، كتفاه العريضان، انفراجُ ثناياه، وأكثر من ٣٦٠ علامة حتى لا يَلتبِس الأمر. حتى ثوبُه، درعُه، رايتُه، كلّها خُصوصيّات لا يملكها إلّا هو. ويقول رسولُ الله ﷺ: «لا تذهب الدنيا حتى يَلي أُمّتي رجلٌ من أهل بيتي، يُقال له المهدي». “يَلي” أي يحكم، لا مجرّد الظهور. فالإمام المهدي لا يظهر ثم يختفي بلا حكم، بل سيقوم ويُقيم دولتَه على الأمّة.
- تحرير الأمة من ذُلِّ الرِّقّ:
في زمنه يُمحَق اللهُ الكذب، فلا يكذب طفلٌ ولا امرأة، لأنّ الحق يَظهر والباطل يُمحَق. وترتفع البلاءات: لا خوف، لا وباء، لا زلازل، ولا فقر. ويقول النبي ﷺ: «يُخرج ذُلَّ الرِّقّ من أعناقكم». فنحن اليوم أسرى أنظمةٍ وقوانين لا تُنقذ الناس بل تستغلّهم، ونحن عبيد لأصحاب الأموال والسياسة. المهدي من عترتي هو الذي يخرجنا من هذا الذل.
النتيجة
رسول الله ﷺ يقول: «أنا أوّلُ هذه الأُمّة، والمهدي أوسطها، وعيسى آخرها». المهدي من عترتي سيحكم كما حكم رسولُ الله. أما ما بين ذلك، فحُكّام أعوج وزمان أعوج، أكثره ظُلم، وقوانينه ليست من عند الله. ظهورُ المهدي ليس خيالاً، بل هو وعدٌ إلهي بإزالة الظلم، وإقامة العدل على الأرض، تحت لواء القيادة الإلهية في آخر الزمان. الفرج آتٍ، وهنيئاً لمن يرى المهدي ويعرف وجهه ويعرف نفسه ويعرف خليفته.
“للمزيد من مشاهدة دروس شمس لا تغيب، يُرجى النقر هنا.”