شمس لاتغيب؛ ولاية علي بن أبي طالب قوام الدين وعماد الأرض
الحلقة الثالثة عشرة:
ولاية علي بن أبي طالب: الحجة الإلهية والأساس المتين للدين
لقد نقل لنا مولانا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) جزءاً عظيماً من حديث المعراج، مُبيّناً فيه الأساس الذي قامت عليه رسالته. يقول المصطفى (صلى الله عليه وآله وسلم): “لما عُرج بي إلى السماء السابعة، إلى سدرة المُنتهى، ومِن سدرة المُنتهى إلى حُجب النور، ناداني ربي: يا محمد، أنت عبدي وأنا ربك، فلي فَاخضَع، وإياي فاعبد، وعليَّ فتوكل، وبي فثق“. هذا النداء الإلهي ليس مجرد تكليف بالعبودية والتوكل، بل هو إعلان عن الرضا الإلهي بتمام النبوة والرسالة، مقترناً بشرط عظيم لتمام الفخار والمحبة.
يستمر هذا الخطاب ليُفصِح عن النقطة المحورية والعماد الذي لا يقوم الدين إلا به، حيث يقول الحق تبارك وتعالى: “لأني قد رضيت بك عبداً وحبيباً ورسولاً ونبياً، وبأخيك علي خليفةً وباباً“. هنا يُصبح أمير المؤمنين (عليه السلام) هو المفتاح والخليفة الذي يضمن استمرار الرسالة وعلوّها، فليست المسألة اختياراً شخصياً، بل هي رضا رباني لا يكتمل دونه الدين.
ولاية علي بن أبي طالب: الميزان الفاصل في الدين
إن الإعلان الإلهي عن ولاية علي بن أبي طالب كـ “خليفة وباب” يعني أنها الركن الأعظم الذي لا يصح دونه أمر. هذه الولاية هي الميزان الذي به يتم التمييز الحقيقي بين الحق والباطل، فـ”هو حجتي على عبادي وإمام لخلقي، به يُعرف أوليائي من أعدائي”.
- التمييز بين الأتباع والأعداء:
“إذا واحد والى أبا الحسن علي ابن أبي طالب، هذا ولي الله، وعادى علياً، فهم عدو الله”. إن الولاية هنا هي المعيار الحاسم للانتساب إلى جند الله أو جند الشيطان. فمن كان من “جماعة علي ابن أبي طالب” فهو قطعاً ناصر الله وحزبه.
- قوام الدين والثبات عليه:
التمسك بـ ولاية علي بن أبي طالب هو شرط قوام دين الله. “به يُقام ديني”. فالإنسان الذي يدعي اتباع رسول الله دون أن تكون له ولاية أمير المؤمنين (عليه السلام)، لا يكون دينه قائماً، بل يكون “ساقطاً واقعاً دينه فاشل… ماله قيام”، لأنه لم يحفظ حدود الله في أعظم تجلياتها وهو تعيين الولي والخلف.
ولاية علي بن أبي طالب: شرط حفظ الحدود وتنفيذ الأحكام
إن التقوى والورع لا تكفيان بمفردهما ما لم يقترنا بالولاية الحقّة. إن “حفظ حدودي” هو الوصف الذي ينطبق على من يتقي الله ويتولى علياً في آن واحد.
- حقيقة الورع والإنسانية:
قد يتجنب الإنسان الكذب أو يتصف بالإنسانية والأخلاق التي تتغنى بها الحضارة الغربية، ولكنه إذا أنكر الحق في ولاية علي بن أبي طالب يكون قد “ما حفظ حق الله” الأعظم. فالله تعالى “عيّن علي ابن أبي طالب عن نفسه ولياً وخليفة إماماً على سائر الخلق”، فمن أنكر ذلك، فقد أنكر الحق وحفظ حدود الله في أخص الأمور.
- تنفيذ الأحكام وتثبيت الأمن:
إن تنفيذ أحكام الله لا يتم إلا بهذا الطريق المبارك. “حكم الله يُنفَّذ بعلي ابن أبي طالب”. فمن لا يتولى علياً، لا يملك الحق في التدخل في أمور العباد والبلاد؛ “ماله حق يرفع أو يكبس أو يسقي مي يجيب أمان البلد”. إن هذا الأمن هو “خلق إلهي” لا يكون سبباً لتجلياته إلا من كان في دائرة ولاية علي بن أبي طالب. فإذا حاول شخص أن يقوم بمسؤولية سياسية أو خدمة العباد وهو خارج عن حدود هذه الولاية، كان فعله “غاصباً” ومسؤوليته غير شرعية في حكم الله. ويؤكد الله تعالى: “بعلي تُنفذ أحكامي، بك وبه وبالأئمة من وُلده“.
ولاية علي بن أبي طالب: المدخل لعمارة الأرض بالقائم (عج)
يستمر الخطاب الإلهي ليضع الإمام علي والأئمة من وُلده كأبواب لرحمة العباد، ثم يصل إلى قمة هذه الولاية في تحقيق العدل والرحمة الشاملة على الأرض.
- عمارة الأرض بالقائم:
تأتي الإشارة إلى العمارة الكبرى للكرة الأرضية بقوله تعالى: “وبالقائم منكم أعمر أرضي“. فالمهدي (عج) هو الذي به تتم العمارة الشاملة للقلوب والمساجد والبلاد، وهي عمارة ترتبط بتطهير الذكر الإلهي. هذه العمارة هي “تسبيحي وتقديسي وتهليلي وتكبيري وتمجيدي”، حيث يتنبه الناس إلى أن “الله أكبر مما قلت” ولا يمكن وصفه بالكرم إلا مجازاً.
- كلمة الله العليا وتطهير الأرض:
الغاية العظمى لظهور القائم (عج) هي تطهير الأرض: “وبه أُطهِّر الأرض من أعدائي“. هؤلاء الأعداء “ظاهرهم دين وصلاتهم وصيام وباطنهم شهوات”، ولا يمكن التخلص منهم إلا بظهور المهدي. في عصره، تصبح “كلمة الذين كفروا هي السفلى وكلمة الله هي العليا”، حيث يحتقر الناس العيش الغربي المتمثل في “التكنولوجيا… بسنن يهودية”، ويعودون إلى “طريقة محمدية طريقة علوية” هي الكلمة المرغوبة والسلعة العليا.
النتيجة
إن الإمام القائم المهدي (عجل الله فرجه الشريف) هو تجلي لتمام ولاية علي بن أبي طالب، فهو “وليِّي حقاً ومهدي عبادي صدقاً”، يُمدّه الله بملائكته ويُظهر له كنوزه وزخائره، ويكشف له الأسرار والضمائر بإرادته. إن هذه الولاية هي الأساس الذي عليه يُقام الدين وتُحفظ الحدود وتُعمَر الأرض بالتقديس، وتنتهي بظهور القائم الذي يُعلي كلمة الله على الأرض.
“للمزيد من مشاهدة دروس شمس لا تغيب، يُرجى النقر هنا.”