شمس لاتغيب؛ نصرة الإمام المهدي في غيبته
الحلقة الأولی:
الأهمية الشرعية والإنسانية لـنصرة الإمام المهدي (عجل الله فرجه)
هذه المذاكرة هي استجابة عملية لنداء القرآن الكريم والأمر الإلهي المتمثل في قوله تعالى: “وَتُعَزِّرُوهُ“، أي: أن ننصر ونعظم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وقد أودعنا النبي محمد الثقلين، وأوضح أن المهدي صلوات الله عليه هو الثقل الأصغر، خليفته في الأرض وبضعته الطاهرة. ومن ثم، فنصرة الإمام المهدي اليوم هي التطبيق الأمثل والواقعي لتعظيم النبي ونصره في غيبته، فكما قال: “المهدي بضعتي”. وعليه، فإن جلوسنا هذا لإحياء هذه الفكرة القرآنية في شخص الإمام المهدي هو تحقيق لمبتغى رسول الله في الأرض، وإظهار للحب الذي أوصانا به الله تعالى تجاهه.
إنّ هذه النصرة المستقيمة لا تقتصر على البعد الشرعي، بل تشمل مسؤولية إنسانية عميقة ومركّبة. فنحن نعيش حالة الفقد لأبونا الشفيق الغائب، والإمام المهدي هو أولى من يتلقى الإحسان، فهو أبونا بالواسطة في الخلق والفيض والرزق. إن واجب الإحسان للوالد يفرض علينا تذكّر أمره والسؤال عن حاله، وطلب رجوعه بعد طول الغيبة. هذه الرغبة العاطفية والإنسانية يجب أن تهيج الأحزان وتُحَوِّل اهتمامنا من الذات إلى الاهتمام بقضية غياب والدنا، لنكون من المحسنين الذين يحبهم الله ويطلبون الإحسان في كل صغيرة وكبيرة.
المقتضيات العملية لنصرة الإمام المهدي في الغيبة
أولاً: أركان بناء الوعي والبصيرة
١. اكتساب البصيرة المعرفية:
إن الانشغال بقضية الإمام المهدي وذكر مقاماته الإلهية لا بد أن يثمر الاستبصار. فالإمام هو “الفرقان” الذي يفرق به الله بين الحق والباطل؛ أي نطلب منه القوة المعرفية التي تمكننا من التمييز بين المشاريع الضالة والأفكار الهدامة والمشاريع الحقة في زمن الفتن، فلا نكتفي بوجوده بل بفقه دوره وكيفية الاستفادة من بركاته في الغيبة.
٢. تفعيل القوة التمييزية:
نطلب من هذه المذاكرة أن تكون سبيلاً لحضور قلوبنا، وخروجنا من كهف الجهل والظلمة إلى نور معرفته والتمييز الصحيح. فإذا لم نُحَصِّل الاستبصار، ولم نفرّق به بين ما ينفعنا في تهيئة النفوس لظهوره وما يضر، نكون قد أدبرنا عن أثر هذا الذكر، وهذا ينافي الهدف الأساسي من النصرة والتمهيد لقيام دولته المباركة.
ثانياً: أركان أداء الحقوق والمسؤوليات
٣. تجاوز العاطفة إلى المسؤولية:
النصرة الحقيقية تتجاوز مجرد التعداد لمناقب الإمام أو الاكتفاء بـ “النياحة” عليه والانتظار السلبي. إنها “أداء ثقل مهام تجاهه” بوصفه خليفة الله وخليفة رسوله على الأرض. الأساس هو تطبيق العدل على أنفسنا أولاً، بدءاً من الحواس والجوارح، لأن الإمام لن يأتي لنصرة أفراد لا يطبقون العدل على جوارحهم ولا يلتزمون به في أفعالهم.
٤. الالتفات إلى تفاصيل الحياة:
يتطلب هذا الأداء أن نلتفت إلى أدق تفاصيل حياتنا التي تمس الإمام بشكل مباشر أو غير مباشر. جزء منه يتعلق بقلوبنا (بالتوجه إليه في الصلاة والدعاء)، وجزء لألسنتنا (بتحسين حديثنا وترك اللغو والغيبة والكذب)، وجزء لأفعالنا (بحسن المظهر والنظام في كل تعاملاتنا ومواطن الذكر). النصرة هي أن نجعل الإمام حاضراً في تفاصيل سلوكنا اليومي.
٥. تهيئة الذات لقيادة الغد:
يجب أن يكون عملنا متنوعاً وشاملاً، فنؤدي دورنا تجاهه في كل جانب لكي نكون مؤهلين للقيادة تحت لوائه، سواء في الجانب العقلي أو الروحي أو التنظيمي. النصرة تعني بناء الذات القوية المستقيمة القادرة على حمل الأمانة عند الظهور، والانتقال من طلب الأناقة في المظهر إلى لب المسؤولية والالتزام الأخلاقي والاجتماعي.
الأهداف المرجوة من اللقاء ومسؤولية التبليغ
- الالتزام بأثر المجلس والبقاء على العهد:
نطلب من الحضور أمراً جوهرياً: ألا وهو أن لا يدبروا عن آثار هذا المجلس؛ فبعض الناس يتأثرون لحظياً ثم يعرضون عن هذا الأثر وينشغلون بأمور الدنيا. نحن نريد أن يبقى أثر هذا المجلس حاضراً معنا ضمن عزائمنا وعملنا اليومي. فمجلس ذكر المهدي هو مجلس عاطفي وفيه تلبية لنداء القرآن والرسول، ويجب أن يؤدي إلى ثبات في الإيمان والعمل الصالح وعدم الانجرار إلى زخارف الدنيا.
- نشر الوعي والعشق للإمام:
الشيء الثالث المطلوب هو تعميم البركة؛ إذا رأيتم أن هذا الحديث فيه لذة ومعينٌ صافٍ، وأن من ورائه بصيرة واستبصار، فعمموه على غيركم. فلتكن دعوتكم للجيران والأهل والأصدقاء، حتى نصنع ونوجد جيلاً من العاشقين أو الراغبين أو المحبين للإمام المهدي. إن نشر هذه الأفاق والوعي هو جزء من نصرة الإمام، حتى تتسع دائرة المحبين والمهتمين بقضيته المباركة.
النتيجة
إنّ نصرة الإمام المهدي المنتظر (عليه السلام) هي الغاية الكبرى التي تفرضها علينا الشريعة والإنسانية. تتجسد هذه النصرة في إحياء ذكر الله ورسوله عبر الإمام، وتحقيق الإحسان لوالدنا الغائب. ومن أهم مقتضيات هذه النصرة هو السعي لتحصيل البصيرة النافذة التي تفرق بين الحق والباطل، وأداء المسؤوليات تجاهه في غيبته، مع الثبات على هذا العهد وتعميم هذه البركة على الآخرين لتهيئة الأرض لظهوره المبارك.
“للمزيد من مشاهدة دروس شمس لا تغيب، يُرجى النقر هنا.”