شمس لاتغيب؛ شروط المعرفة الإلهية
الحلقة الحادیة عشرة:
حقيقة الأولية والآخرية الإلهية في حياتنا
حديثنا اليوم يدور حول وصف الله تبارك وتعالى لأحوال إمامنا الغائب المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف، مؤكدين على حقيقة الأول والآخرية الإلهية التي يجب أن نستشعرها في كل لحظة. إن الله هو المهيمن على جميع تفاصيل حياتنا، وإنجاز أي عمل نقوم به يبدأ منه وإليه يعود. هذا المعنى العظيم يفرض علينا أن نكون “متألهين” حقاً، ومقرين بأولية الإله وآخرية الإله وإعانة الإله في كل أفعالنا، وأن نؤمن بأن الله فعال لما يريد. هذه الفعالية الإلهية هي التي توفر لنا القوة والالتفات والتوفيق، وهي التي تساعدنا لحظة بلحظة حتى ننجز أعمالنا، وهذا هو “لطيف الصنع” الذي ينبغي أن ندركه.
صحيح أننا قد لا ندرك كنه هذه المساعدة الإلهية في كثير من الأحيان، لكن واجبنا هو أن نقر بها إيمانًا ويقينًا. إن هذه الحقيقة الألوهية السارية في الخلق تقتضي منا البحث والاجتهاد في تحقيق شروط المعرفة الإلهية التي ترفع الحجاب عن قلوبنا وتوصلنا إلى اليقين التام. إن الأمة الآن في حجاب الغيبة عن هذه الحقيقة الكبرى، ولذلك، يجب علينا أن نتحقق بـشروط المعرفة الإلهية التي وضعها الله تعالى لكي ينتبه الخلق إلى الإله المهيمن وينجو من الشرك. هذه الشروط الأربعة هي الأساس لتمام الولاية والتحقق بصدق الوعد بخروج مهدينا المنتظر.
علي بن أبي طالب هو مفتاح شروط المعرفة الإلهية
نحن نؤمن بأن الذكر المنبه إلى الإله المهيمن على الخلق هو علي بن أبي طالب عليه السلام. إن حقيقة هذا الذكر لن تتجلى بالكامل إلا عند خروج القائم، وحينذاك، سيعلم الجميع أن عليًا هو الذكر الحقيقي للعالمين.
- حقيقة الذكر الإلهي:
عندما نتأمل قوله تعالى: “إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ” وقوله: “وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِين”، يتضح لنا أن المعرفة الكاملة لحقيقة هذا الذكر تتوقف على تلك اللحظة التاريخية العظيمة، حيث يتحول النبأ الغيبي إلى تصديق عياني. هذه المعرفة هي ثمرة الالتزام الراسخ بـشروط المعرفة الإلهية التي تزيل الغفلة عن الأمة.
- أهمية الإقرار بالولاية:
إننا لن نستطيع الاستفادة الكاملة من “مذكرية علي” كـ “الذكر” إلا بتوفير هذه شروط المعرفة الإلهية. إننا نعلم أن الشرك الخفي مع علي في علمه وسياسته، والتوجه بالآمال إلى الأغيار، هو ما يبقينا في حجاب الغيبة، ويمنعنا من إدراك الفضل والنعمة الكاملة.
الشروط الأربعة لتحقيق المعرفة الإلهية (من کلام الإمام الصادق)
لقد ذكر لنا إمامنا الصادق عليه السلام أربعة شروط متدرجة نحو اليقين الكامل بفضل آل محمد، وعلينا جميعاً أن نتحقق بها. هذه هي شروط المعرفة الإلهية التي يجب توفرها في زمان الغيبة لتصديق خروج القائم بالعيان:
- الإقرار:
هو الاعتراف الجازم والراسخ بأن خليفة الله الحقيقي، أي علي بن أبي طالب، هو واسطة الخيرات والبركات في أدق تفاصيل حياتنا. يجب على كل مؤمن منا أن يقر بأن أبا الحسن علي هو صاحب الفضل في هذه السفره وتفاصيلها وآثارها الصحية والشبع والارتواء. هذا الإقرار هو الخطوة الأولى والضرورية في شروط المعرفة الإلهية للتحرر من أي شكل من أشكال الشرك.
- الإبصار (طلب العلم):
الإبصار هو أن نرى بعمق حقيقة أن هذه النعم والعلوم التي تصل إلينا في عصرنا، سواء من الشرق أو الغرب، مصدرها ومنشأها بركات أبا الحسن علي بن أبي طالب. هذا الإبصار يتطلب منا طلب علم مستمر لندرك أن أصل هذه العلوم يعود إلى تأسيس علي والأئمة الأطهار. فضلنا كاملاً هو من العترة عليهم السلام، وهو شرط تالٍ للإقرار في تحقيق شروط المعرفة الإلهية.
- التدبر والمقارنة:
التدبر هو أن نقارن بعمق بين فضل آل محمد وخدماتهم التي تسوق الأرزاق والأمان والعدل للعباد، وبين ما يقدمه لنا “الولاة” والحكام الدنيويون. إن الوالي الحقيقي كالإمام المهدي (عج) يملك ولاية مهيمنة ووصولًا غير محدود لأدق جزئيات حياتنا. التدبر هو أن لا ننكر فضل المهدي ولا نساوي بين خدمات علي بن أبي طالب الذي يضيء الكون أفضالًا، وبين من يظن الناس أنهم يضاهونه. هذا التدبر يثبت لنا أن حنان الأغيار مجرد دجل وتوهم، ويُكمّل شروط المعرفة الإلهية التي تقود إلى اليقين بفضل المهدي.
- الاتباع:
الشرط الرابع والأخير هو الاتباع؛ أي أن نسعى جاهدين لنصبح مثل علي بن أبي طالب في أخلاقنا وسلوكنا، ونتلون بألوانه ونقتدي به في سننه وأفعاله. عندما يتحقق هذا الاتباع العملي، نكون قد حققنا الشروط الأربعة التي أرادها الله تعالى منا في زمان الإمام الغائب، ويصير الذكر حينها جزءاً طبيعياً من تطبيق سنن علي عليه السلام.
التحذير من الشرك ومرحلة تصديق العيان
إن تحقيقنا لهذه شروط المعرفة الإلهية سيؤدي بنا إلى مرحلة “تصديق العيان”، حيث يصبح إيماننا بخروج القائم يقيناً كـ “الشمس في رابعة النهار”، بلا ريب أو شك. في ذلك الوقت، سيكون معنى “لا إله إلا الله” هو “لا ملاذ غير الله”.
- فتنة الشرك الخفي:
علينا أن نحذر من الوقوع في الشرك الخفي والعلني، خاصة في حياتنا اليومية عند توزيع الرواتب والانتخابات، حيث تتجه كل آمالنا إلى غير الله، متناسين حقيقة أن “بقيه الله خير لكم إن كنتم مؤمنين”. كم هو محزن أن الكثير منا يشركون مع علي في علمه وسياسته، ثم يحلفون يوم القيامة أنهم ما أشركوا، كما جاء في قوله تعالى: “ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ” (سورة الأنعام: ٢٣).
- كلمة الفصل وظهور اليقين:
نحن نعلم أن الاختلاف الذي وقع في كتاب موسى سيقع في الكتاب الذي يأتي به القائم، حيث سينكر ناس كثيرون الكتاب الجديد بسبب اختلاف القراءات. إن قوة الإمام القائم وقدرته على إبادة الكرة الأرضية تتأكد بقوله تعالى: “وَلَوْلَا كَلِمَةٌ فَصَلٌ قُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ”، مما يدل على أن الله قضى أن يبقى من يبقى بعد خروج القائم لحكمة إلهية، وهؤلاء الباقون هم نحن الذين نصدق بيوم الدين وبقدوم القائم. هذا التصديق هو ثمرة اكتمال شروط المعرفة الإلهية.
النتيجة
إن هذا الزمن هو زمن امتحان وحجاب عن الإمام الغائب. إن الاستفادة من “مذكرية علي” كـ “الذكر” لن تتحقق إلا بتوفير شروط المعرفة الإلهية الأربعة: الإقرار، والإبصار، والتدبر، والاتباع. هذه الشروط هي طريق أمتنا لفهم أن الأغيار لا تفيدنا، وتؤدي إلى تصديق خروج القائم بالعيان لا بالخبر، ليعلم الجميع أن علي بن أبي طالب هو الذكر للعالمين، ولينجو المؤمن من فتنة الشرك. يجب علينا أن نسعى بجد لتحقيق هذه الشروط الأربعة لتجاوز مرحلة التقية والصمت ونصرة إمامنا.
“للمزيد من مشاهدة دروس شمس لا تغيب، يُرجى النقر هنا.”