سیاحة التسبیح؛ التمييز الإلهي وحقيقة السلطنة
الحلقة الخامسة والثلاثون:
التمييز الإلهي وموازين الاستحقاق الحقيقي
سبحانَ الجميلِ العادةِ والبلاءِ، ومستحقِّ الشكرِ والثناءِ. ذكرنا سابقاً أنَّ ما نُسبَ إلى الله لا يجوزُ نسبتُه لغيرِه؛ فاللهُ هو المميِّزُ الأوحدُ في ملكِه. إنَّ قضية التمييز الإلهي هي الحجرُ الأساس في فهمِ علاقتنا بالخالق؛ فبينما يمنحُ الناسُ امتيازاتٍ باطلةً كالسلطنةِ والوزارة، نجدُ أن هذه الامتیازات زائلةٌ ببطلانِ الدنيا. فالحاكمُ يُحشرُ يومَ القيامةِ عرياناً وحيداً، مما يثبتُ أنَّ تعظيمَ غيرِ المميَّزين إلهياً هو تعظيمٌ باطلٌ وشركٌ خفيّ.
إنَّ من يُقرُّ بأنَّ الله هو السلطان، لا يحقُّ له الإقرارُ لغيرِه بالسلطنةِ إلا بأمرِه. فمن يعطي إنساناً حقَّ التقديمِ والتأخيرِ دونَ تفويضٍ رباني، إنما يرتكبُ نوعاً من الشرك بالله. إنَّ التمييز الإلهي هو الذي يعيِّنُ الملكَ ويخصُّ السلطان، وكلُّ نظامٍ يزاحمُ اختيارَ الله، كأنظمةِ الانتخابات التي تدّعي تمليكَ الرقابِ، هو خروجٌ عن توحيدِ الله الذي بيدِه الملكُ وحده.
“لمشاهدة الحلقة 35 من الدروس سیاحة التسبیح علي يوتيوب اضغط هنا.”
بطلانُ السلطنةِ البشرية ونفيُ الاستحقاقِ لغيرِ الله
إنَّ الاعتقادَ الراسخَ بأنَّ الله هو السلطانُ الحقيقيُّ في هذا الكون يستلزمُ بالضرورةِ نفيَ السلطنةِ عن غيرِه إلا بإذنه وتفويضِه. فمن أقرَّ لله بالوحدانيةِ المطلقة، ليس له حقٌّ في إقرارِ السلطنةِ لغيرِ من عيَّنهم الله، لأنَّ منحَ حقِّ الحكمِ لغيرِ أهلهِ يُعدُّ منازعةً لربِّ العالمين في أخصِّ صفاتِه. إنَّ التمييز الإلهي هو المعيارُ الوحيدُ الذي يمنحُ الشرعية، وما سواه فهو وهمٌ زائلٌ لا قيمةَ له في ميزانِ الحقيقة.
-
عدم شرعية سلطنة معاوية:
من هنا نفهمُ موقفَ أميرِ المؤمنين (سلام الله عليه)؛ إذ لم يقبلْ بسلطنةِ معاويةَ ولا يوماً واحداً، لأنَّ سلطانَ معاوية لم يستمدَّ شرعيتَه من رسولِ الله ولا من الله، بل كان نتاجاً لتمييزِ الناسِ له وتفويضِهم الباطلِ الذي لا يغني من الحقِّ شيئاً، فالسلطنةُ حقٌ إلهي لا يُنالُ بالغلَبةِ أو بتمييزِ الناسِ القاصر. -
بطلان الأنظمة القائمة على الاختيار البشري:
إنَّ أنظمةَ الحكمِ القائمةِ على الاختيارِ البشري المحض، كالنظامِ الجمهوريِ القائمِ على الانتخابات، تُعتبرُ في ميزانِ التوحيدِ الخالصِ أنظمةً قاصرة؛ فالناسُ لا يملكونَ رقابَ بعضهم ولا أموالَهم ليمَلِّكوها لغيرهم، والانتخابُ الذي يُنازعُ اللهَ في اختيارِه لحاكمِه هو خروجٌ عن جادةِ التوحيدِ وخدشٌ في مفهومِ التمييز الإلهي. -
حق التقديم والتأخير لله وحده:
إنَّ من يعطي إنساناً حقَّ التقديمِ والتأخير، أو يميِّزُ قولَه على أقوالِ الآخرين دونَ تفويضٍ رباني، إنما يرتكبُ نوعاً من الشركِ بالله. فالله تعالى يقول: ﴿تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء﴾، فأنتم ما لكم حقٌّ أن تُعِزّوا من تشاؤون أو تعطوا الملك لمن تشاؤون خارجَ نطاقِ التمييزِ الذي حدده الله.
تجلياتُ مراتبِ التمييز الإلهي في بنيةِ المجتمعِ والدين
لقد وضعَ اللهُ سبحانه وتعالى نظاماً دقيقاً لـ التمييز الإلهي بين عبادِه، وهذا التمييزُ ليس تفضيلاً عبثياً، بل هو تكليفٌ وتشريفٌ واجبُ القبولِ والتسليمِ من قِبلِ المكلفين. إنَّ إدراكَ هذه المراتبِ يحفظُ للمجتمعِ توازنَه ويحمي العبادَ من السقوطِ في فخِّ المساواةِ الزائفةِ التي تهدمُ أركانَ النظامِ الرباني، فكلُّ ذي رتبةٍ في هذا الوجود إنما نالها بفيضٍ من الله وحده.
-
التمييز بين الأنبياء والأئمة:
انظروا إلى رسولِ الله (صلى الله عليه وآله)، فهو المميَّزُ بأمرِ الله؛ هو الآمرُ وعليٌّ هو المأمور. ثم نجدُ الإمامَ الحسنَ مميَّزاً على الإمامِ الحسين بالرغمِ من عظمةِ مقامِ الحسين، فكان الحسنُ هو الآمرَ والحسينُ مأموراً يتبعُ إمامَ زمانِه تسليماً لهذا التمييز الإلهي الذي لا يحيدُ عن الحق. -
التمييز في العلاقات الأسرية:
هذا التمييزُ يمتدُّ ليشملَ تفاصيلَ حياتِنا؛ فالآباءُ مميَّزون على الأولادِ بقرارٍ رباني، والأزواجُ مميَّزون على الزوجاتِ بما رسمَه اللهُ من حدودِ القوامة. قد تكونُ الزوجةُ أفضلَ من زوجِها في العلمِ أو الزهد، ومع ذلك نلتزمُ بهذا التمييزِ تعبداً لله الذي جعلَ لكلِّ شيءٍ قدراً. -
التمييز في العلم والفقاهة:
نجدُ الفقيهَ مميَّزاً على المقلِّد، والتمييزُ هنا للفقاهةِ لا للسنِّ؛ فقد يكونُ المقلِّدُ شيخاً كبيراً في السن والفقيهُ شاباً في مقتبلِ العمر، ومع ذلك فإنَّ الاتباعَ يكونُ للمميَّزِ بالعلمِ الإلهي، لأنَّ الله هو الذي رفعَ أهلَ العلمِ درجاتٍ وخصَّهم بحقِّ التبيين. -
التمييز في الإمامة وصغر السن:
الإمامُ هو المميَّزُ وإن كان طفلاً صغيراً، كما في حالةِ الإمامِ الجواد أو الإمامِ الهادي (عليهما السلام). ولنا في قضيةِ “عبد الله الأفطح” عبرة؛ فرغمَ كونه الأكبرَ سناً، إلا أنَّ التمييز الإلهي استقرَّ في أخيهِ موسى بن جعفر (عليه السلام)، مما أبطلَ دعاوى الفرقِ المنحرفةِ التي اعتمدتْ معاييرَ بشريةً.
سيادةُ تمييزِ الله المطلقِ عندَ تعارضِ الأحكامِ والآراء
إنَّ قيمةَ التمييز الإلهي تظهرُ جلياً وتتجلى في أعظمِ صورِها عندَ حدوثِ التعارضِ بين إرادةِ المخلوقِ وأمرِ الخالق. فنحنُ نطيعُ الرسولَ ونقدسُ مقامَه، لكنَّ طاعتَنا لله يجبُ أن تكونَ أشدَّ وأعمق، لأنَّ تمييزَ الله هو الأصلُ الذي تنبعُ منه كلُّ الامتيازاتِ الأخرى. إنَّ الثباتَ على هذا المبدأ هو الاختبارُ الحقيقيُّ لصدقِ التوحيدِ في قلوبِ المؤمنين الذين لا يقدّمون بين يدي الله ورسوله.
-
المثال التشريعي في صلاة السفر:
لعلَّ خيرَ مثالٍ على ذلك هو صلاةُ الظهر؛ فأصلُ الفريضةِ ركعتانِ من الله، وزادَ رسولُ الله ركعتينِ لتُصبحَ أربعاً. ولكنْ في السفر، نُسقطُ ما زادَه الرسولُ ونبقي على ما حدَّدَه الله. هنا يتجلى امتيازُ حكمِ الله حتى على قولِ نبيِّه في هذا الموردِ التشريعي، تأكيداً على أنَّ التمييز الإلهي هو الحاكمُ النهائي. -
تحطم الامتيازات البشرية أمام الله:
إننا نحفظُ لكلِّ ذي حقٍّ حقَّه؛ للأبِ والزوجِ والفقيه، ولكنْ إذا اصطدمَ حكمُهم بحكمِ الله، كسرنا كلَّ تمييزٍ بَشريٍّ أمامَ التمييز الإلهي. فمن خالفَ الله، سقطَ احترامُه في ذلك الموردِ ووجبَ تقديمُ مرادِ الخالق؛ فاللهُ هو المميَّزُ بلا شريك، وهذه الخصوصيةُ لا يشاركُه فيها أحد.
وهمُ المنّةِ والفضلِ عندَ الطواغيت ومواجهةِ الزيفِ الفرعوني
لقد حذَّرَنا القرآنُ الكريم من الانخداعِ بفضلِ الظالمين الذين يغلفون استبدادَهم بغلافِ الإحسانِ الزائف. ففرعونُ في زمانه كان يَمُنُّ على الناسِ ويُسمّونه “فرعون المفضل” لأنه كان يوفّرُ الأمانَ والخدمات، ويدّعي الربوبيةَ من خلالِ هذه المننِ المادية. إنَّ هذه الامتيازاتِ التي يدّعيها الطواغيتُ هي محضُ افتراءٍ على مقامِ الألوهيةِ وتشويهٌ لمفهومِ التمييز الإلهي الحقيقي.
-
رد موسى (ع) على ادعاءات فرعون:
لقد واجهَ موسى (عليه السلام) هذا الزيفَ بقوةٍ حين قال: ﴿وتلك نعمة تمنها علي أن عبدت بني إسرائيل﴾. إنَّ كلَّ ما قدمَه فرعونُ أو هارونُ العباسي أو حتى الطواغيتُ المعاصرون، من أمانٍ ظاهري، لا يُعطيهم حقَّ الربوبيةِ أو المشاركةِ في سلطانِ الله، بل هو استعبادٌ مغلفٌ بفضلٍ هو في حقيقتِه من الله وحده. -
حقيقة الشكر والثناء لله وحده:
إنَّ الشكرَ والثناءَ في حقيقتِه هو لله وحده، وليُّ الفضلِ والإنعام. أما هؤلاء الذين استعبدوا العبادَ وادَّعوا مشاركةَ الله في حكمِه، فهم مشركون لا يُقبلُ منهم صرفٌ ولا عدل. حتى الأنبياءُ والأئمةُ، إنما نمدحُهم لأنهم نورُ الله في أرضِه ومجالي التمييز الإلهي، ولا استقلالَ لهم في التمييزِ بعيداً عن مشيئةِ الله.
النتيجة
خلاصةُ القولِ في هذا المقام، إنَّ التوحيدَ الحقيقيَّ يتجلى في حصرِ حقِّ التمييزِ المطلقِ لله عز وجل، والإيمانِ بأنَّ كلَّ رتبةٍ أو منزلةٍ في هذا الوجود يجبُ أن تستندَ إلى نصٍّ أو إذنٍ إلهي. إنَّ كلَّ انحرافٍ نحو مدحِ القوى الغربيةِ أو السياسيين الماديين بدعوى “النظافةِ” أو “التقدمِ” هو غفلةٌ عن أصلِ الاستحقاقِ وبُعدٌ عن جادةِ الحق. نحنُ موحدون، لا نُشركُ في مدحِنا وثنائِنا أحداً مع الله، بل نجعلُ كلَّ ولائنا وتبعيتنا لـ التمييز الإلهي الذي ميَّزَ “خيرَ البريةِ” بنورِ طاعتِه، لا ببريقِ سلطانِ الدنيا الزائل.
“للمزيد من مشاهدة دروس سیاحة التسبیح، يُرجى النقر هنا.”