من الفطور الی سحور؛ حقيقة صيام الصائمين وشروط كماله
الحلقه 1:
صيام الصائمين والارتقاء عن المراتب الدنيا للصوم
اللهم اجعل صيامنا في هذا الشهر العظيم صيام الصائمين، وقيامنا فيه قيام القائمين، ونبهنا فيه عن نومة الغافلين. إن أول ما يطرق سمعنا في مناجاة اليوم الأول من شهر رمضان المبارك هو هذا الطلب الرفيع والمقدس؛ فما هو صيام الصائمين الذي ننشده؟ إن أيسر مراتب الصوم وأقلها مؤونة هو مجرد الكف عن المطعم والمشرب، ولكن هل هذا هو الغاية القصوى من هذا التشريف الإلهي؟
إننا في رحاب هذا الشهر الكريم، نسعى جاهدين للوصول إلى منازل خفيت عن الكثيرين، حيث يتجاوز الصوم حدود المادة والجسد ليدخل في عمق الروح والوجدان. إن الصائم الحقيقي هو من يفهم أن الجوع والعطش ليسا إلا قشرة خارجية، أما اللباب فهو تحقيق صيام الصائمين الذي يرتفع بالإنسان إلى محضر الرب تبارك وتعالى، بعيداً عن ضبابية الرؤية والغفلة التي تحجب القلوب.
شروط كمال الصيام ومفهوم إفطار القلب والجوارح
-
إفطار القلب في الجنايات والجهالات:
يقول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) معاتباً: «يمسي في صيامه في كثير من الأوقات وقلبه قد أفطر في الجنايات». إن إفطار القلب يعني غياب معالم القرب في لحظات الغفلة؛ فكل ساعة تمر بالإنسان وهو بعيد عن ذكر الرحمن هي حسرة يوم القيامة، لأن القلب حينها يكون قد أفطر بالجهالة. -
إفطار اللسان بالكلام فيما لا يليق:
إن صيام الصائمين يقتضي كف اللسان عن الغيبة، أو الكذب، أو معونة الظالمين. اللسان يفطر عندما يتكلم بالثرثرة أو السعي للإفساد بين الناس؛ وكف اللسان عن الكلام الذي لا يليق بالمراقبة أصعب بكثير من كف البطن، فاللسان بوابة قد تحجب العبد عن كماله المنشود. -
إفطار العين بالغفلة عن المنعم:
العين تفطر بالنظر إلى المحرمات، أو بما هو أدهى؛ وهو الغفلة عن مراعاة المنعم الذي يتواصل إحسانُه إلينا. إن النظر إلى الوالدين أو الأبناء نعمة، ولكن غياب استشعار أنها نعم من الله يُعد إفطاراً للعين، لأنها لم ترَ يد الله في تلك النعم الجليلة والمستمرة. -
إفطار السمع بالإصغاء للمحرمات:
كيف يفطر السمع؟ يكون ذلك بسماع الغناء والموسيقى المحرمة، أو متابعة ما تبثه القنوات من مسلسلات تخدش حياء الصائم. إن هذه النواقص تبطل صيام السمع وتجعل المرء صائماً بالاسم فقط، بينما جوارحه منغمسة في الذنوب التي تُفسد حقيقة القرب الإلهي. -
إفطار الأيدي والأقدام في غير طاعة الله:
اليد تفطر باستعمالها فيما لم تُخلق له، كالتصرف في أموال الغير، والقدم تفطر بالسعي إلى مجالس البطالين أو العلاقات الباطلة. إن صيام الصائمين يتطلب أن تكون خطواتنا وسكناتنا في مساجد الله أو صلة الأرحام، لا في أماكن تُبعدنا عن محراب العبودية وتلف الجوارح.
النتيجة
إن الغاية السامية من الصيام هي مباشرة الإصلاح الشامل للجوارح والقلب تحت ولاية أمير المؤمنين (عليه السلام). إن صيام الصائمين هو الصوم الذي يصوم فيه القلب عن الأغيار، واللسان عن الأوزار، والجوارح عن الآثام؛ فلنجعل هذا الشهر مدرسة لتهذيب نفوسنا حتى لا نخرج منه إلا وقد نلنا صك العفو والرضوان.