فوائد العقل؛ المشروع المهدوي
الحلقة الرابعة عشرة:
المشروع المهدوي ومسؤولية المؤمن في زمن الغيبة
كثير من الناس يعيشون حياتهم بطريقة اعتيادية؛ يستيقظون، يعملون، يأكلون، وينامون، دون أن يسألوا أنفسهم: ما هو الهدف؟ ما هو المشروع الذي أحمله في قلبي؟ هل حياتي مرتبطة بقضية كبرى أم أنها مجرد أيام تمضي بلا اتجاه؟ هنا يطرح السؤال الجوهري: هل نعيش بلا هدف، أم أننا نحمل المشروع المهدوي في أعماقنا؟
إن زمن الغيبة ليس زمناً عادياً، بل هو زمن اختبار ووعي ومسؤولية. فالإيمان بالإمام المهدي (عج) لا يكفي أن يكون مجرد عقيدة نظرية، بل يجب أن يتحول إلى مشروع حياة، إلى رؤية تحدد اختياراتنا، وأولوياتنا، وحتى طريقة تفكيرنا.
ما هو المشروع المهدوي؟
- المشروع ليس شعاراً بل التزاماً:
عندما نتحدث عن المشروع المهدوي فإننا لا نقصد مجرد كلمات تُقال أو عاطفة مؤقتة تظهر في مناسبة دينية، بل نقصد رؤية واضحة لحياتنا مرتبطة بظهور الإمام (عج). المشروع يعني أن يكون للإنسان اتجاه، أن يعرف لماذا يعيش، ولأجل ماذا يعمل. قال أهل المعرفة: من لا يملك مشروعاً يعيش على هامش الحياة. فكيف إذا كان الحديث عن مشروع إلهي مرتبط بإقامة العدل الإلهي في الأرض؟ هنا يصبح المشروع المهدوي هو أعظم مشروع يمكن أن يحمله الإنسان المؤمن. - الفرق بين الحياة العادية والحياة المرتبطة بالظهور:
هناك من يعيش لنفسه فقط: لعمله، لماله، لأسرته. وهذه أمور مشروعة، لكنها إن لم ترتبط بهدف أعلى، تبقى محدودة. أما من يحمل المشروع المهدوي فإنه يرى كل هذه الأمور وسائل لخدمة الهدف الأكبر: التمهيد لظهور صاحب الزمان.
زمن الغيبة: امتحان القلوب
- القلب الحي والقلب المنكوس:
في الروايات إشارة إلى نوعين من القلوب: قلب حي متصل بالله، وقلب منكوس لا يرى الحقائق كما هي. الإنسان الذي لا يحمل هدفاً إلهياً قد يتحول قلبه تدريجياً إلى قلب منكوس، يرى الباطل حقاً والحق باطلاً. أما من يعيش وفق المشروع المهدوي فإن قلبه يبقى يقظاً؛ لأنه مرتبط بإمام حي، يراقب نفسه، ويجدد بيعته، ويسأل: هل أنا على الطريق الصحيح؟ - ذكر الإمام في آخر الزمان:
من علامات الإيمان الحقيقي في زمن الغيبة أن لا يغيب ذكر الإمام عن القلب. ليس المطلوب تكرار الاسم فقط، بل استحضار حضوره في القرارات اليومية. فكلما أراد الإنسان أن يختار طريقاً، سأل نفسه: هل هذا ينسجم مع المشروع المهدوي أم يبعدني عنه؟
تجديد البيعة: روح المشروع المهدوي
- الزيارة ليست عادة:
عندما نزور الأئمة (عليهم السلام)، لا ينبغي أن تكون الزيارة مجرد عادة اجتماعية. الزيارة هي تجديد بيعة، إعلان ولاء، وتذكير للنفس بالمسؤولية. إنها محطة لإحياء المشروع المهدوي في القلب. في كل زيارة نقول: “إني سلم لمن سالمكم، وحرب لمن حاربكم”. هذا إعلان موقف. فهل نحن فعلاً كذلك في سلوكنا اليومي؟ - الولاية لعلي بن أبي طالب أساس الطريق:
لا يمكن الحديث عن المشروع المهدوي دون التأكيد على أن أساسه هو الولاية لعلي بن أبي طالب (ع). فالطريق يبدأ من هناك، من معرفة الحق وتمييزه، من الانحياز إلى خط العدل الإلهي.
كربلاء والمشروع المستمر
- علي الأكبر نموذجاً:
في كربلاء، لم يكن الموقف مجرد معركة عسكرية، بل كان مشروعاً إلهياً ممتداً عبر التاريخ. علي الأكبر (ع) عندما خرج إلى الميدان، لم يكن يبحث عن مجد شخصي، بل كان جزءاً من مشروع أكبر، مشروع حفظ الدين. هذا الامتداد هو نفسه الذي يصل إلى المشروع المهدوي؛ فكل تضحية في سبيل الحق هي لبنة في بناء ذلك المشروع. - الاستعداد لا يعني انتظاراً سلبياً:
الانتظار الحقيقي ليس جلوساً وترقباً، بل عمل دائم. من ينتظر الإمام بحق، يسعى لإصلاح نفسه، مجتمعه، وعلاقته بالله. إن المشروع المهدوي يبدأ من إصلاح القلب، ثم يمتد إلى إصلاح الواقع.
كيف نحمل المشروع المهدوي في حياتنا؟
- تحديد الهدف:
اسأل نفسك: ماذا أريد أن أكون عند ظهور الإمام؟ هل أكون من أنصاره أم من المتفرجين؟ هذا السؤال يحرك القلب ويعيد ترتيب الأولويات. - بناء الوعي:
الجهل أخطر عدو. المعرفة، قراءة الروايات، فهم معاني الغيبة والظهور، كلها خطوات لترسيخ المشروع المهدوي في العقل والقلب. - تهذيب النفس:
لا يمكن أن يكون الإنسان جزءاً من مشروع إلهي وهو أسير أهوائه. المجاهدة اليومية، ضبط الغرائز، وتقديم الطاعة على الهوى، هي معالم الطريق.
النتیجة
إن المشروع المهدوي ليس فكرة عابرة، بل هو هوية المؤمن في زمن الغيبة. من يحمله يعيش بوعي، ومن يفتقده يعيش في تيه. الفرق بين الحالتين ليس في الظروف، بل في الاتجاه. فلنسأل أنفسنا بصدق: هل نحن أصحاب مشروع، أم أن أيامنا تمضي بلا هدف؟ إذا أردنا أن نكون من المنتظرين حقاً، فعلينا أن نحول إيماننا بالإمام المهدي (عج) إلى عمل، وذكرنا له إلى التزام، وانتظارنا له إلى مشروع حياة.
“للمزيد من مشاهدة دروس فوائد العقل، يُرجى النقر هنا.”