فوائد العقل؛ مقام الإمام الجواد
الحلقة الخامسة عشرة:
الهداية جوهر مقام الإمام الجواد
إن الحديث عن مقام الإمام الجواد عليه السلام ليس حديثاً عن إمامٍ شابٍّ عاش خمساً وعشرين سنة فقط، ولا عن معجزاتٍ رواها المحدّثون، بل هو حديث عن نورٍ إلهيّ، وعن امتدادٍ لسرّ الإمامة الذي أودعه الله في حججه. حين نقرأ الآية المباركة: ﴿وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا﴾ ندرك أن الهداية هي الغرض الأول من الإمامة، وأن كل ما يجري على يد الإمام من كرامات إنما هو خادمٌ لهذه الهداية.
الناس غالباً يذهبون إلى الأئمة ليطلبوا الرزق، الذرية، قضاء الحوائج، لكن قلّ من يقف بين يدي الإمام الجواد ويسأل: «يا ابن رسول الله، دلّني على نفسي، أنر قلبي، أخرجني من جهلي». هذا هو السؤال الذي يليق بباب الله. فمن عرف مقام الإمام الجواد الحقيقي، علم أن حاجات الدنيا كلها صغيرة أمام عطائه الأكبر: الهداية والنور.
إن الله تعالى جعل الإمام مرآةً لقدرته، وسراجاً لا تنطفئ أنواره. فالهداية ليست كلمة تقال، وإنما حياة تُمنح، وروح تُسكب في قلب المستعد. ومن هنا، فإننا حين نتحدث عن مقام الإمام الجواد فإنما نتحدث عن نورٍ يفيض من العرش، لا عن شخصية تاريخية محدودة بزمانٍ أو مكانٍ معيّن.
المقام النوراني؛ كيف نفهم مقام الإمام الجواد؟
- النور الذي سبق الخلق:
الروايات تخبرنا أن أهل البيت عليهم السلام خُلِقوا قبل السماوات والأرض بآلاف السنين، وكانوا يعبدون الله في حجب النور. فإذا كان الأصل نوراً، فالفرع كذلك. وحين ننظر إلى مقام الإمام الجواد نرى أنه استمرارٌ لذلك النور الأول. ليس من المبالغة أن نقول إن نور الإمام الجواد يفوق نور الشمس، لأن الشمس شعاعٌ من سبعين جزءاً من نور الكرسي، بينما الكرسي جزءٌ من نور العرش، ونور الإمام منبعثٌ من ذلك الأصل العلوي. لهذا حين يقول العلماء: «الإمام شمسٌ لا تغيب»، فهذه ليست صورة شعرية، بل حقيقة عقائدية لها جذورها في القرآن والسنّة. - النور الذي يطوف حول العرش:
يقولون إن دانيال النبي رأى نورين يدوران حول العرش، فقيل له: «هذا نور الحسن والحسين». وهذا النور استمرّ في ذريتهما حتى ظهر جليّاً في الإمام الجواد. إن الحديث عن مقام الإمام الجواد هو حديث عن وارث ذلك النور الحسيني، نور العزة والتضحية والصبر واليقين. ولأجل هذا، فإن الكرامات التي نُقلت عن الإمام الجواد ليست معجزات عشوائية، بل تجلّيات لهذا النور. فحين ذابت الصحنة بين يديه وعادت كما كانت، لم يكن ذلك خرقاً للطبيعة، بل كشفاً لمرتبةٍ من مراتب القدرة التي أودعها الله في حججه.
مقام الإمام الجواد في العلم الإلهي
- العلم الذي لا يُكتسب:
الإمام الجواد لم يدرس في مدرسة بشرية، لكنه كان يُسأل عن دقائق المسائل، فيجيب بلا تردد. كان الخلفاء العباسيون يجمعون أعلم قُضاتهم وعلمائهم ليحرجوا الإمام، لكنهم كانوا يرجعون خائبين. هذا ليس علماً مكتسباً من التجربة، بل هو «علم لدني» كما سماه القرآن: ﴿وعلّمناه من لدنّا علماً﴾. ومن هنا فإن مقام الإمام الجواد في العلم لا يقارن بعلم العلماء. علم العلماء قطعة من البحر، أما علم الإمام فهو البحر نفسه. - مقام الإمام الجواد في الهداية:
الهداية ليست بيان حكم شرعي فقط. ليست مجموعة نصائح أخلاقية. الهداية هي تحويل إنسانٍ من ظلمة إلى نور. والإمام الجواد كان يملك هذا التأثير. كم من إنسانٍ غارق في الذنوب تغيّر قلبه بمجرد الوقوف أمام الإمام أو سماع كلامه. هذا هو سرّ الإمامة: التأثير الروحي. فمن كان قلبه ليناً، ناله من هداية الإمام ما لا يناله ألف خطيب.
الجاهلية الحديثة تمنع الناس من فهم مقام الإمام الجواد
- الانبهار بالمظاهر:
في عصر التكنولوجيا، أُعجب الناس بالمباني، والطائرات، والهواتف، فظنّوا أنهم مستغنون عن الإمام. هذه جاهليةٌ جديدة. فالإنسان الذي يعتمد على التكنولوجيا وحدها، يشبه من يعتمد على الشمعة ويترك الشمس. الناس اليوم يعرفون قيمة الكهرباء، لكنهم لا يعرفون قيمة النور الإلهي. يعرفون قيمة الهاتف، لكنهم لا يعرفون قيمة الدعاء. يعرفون قيمة الطبيب، لكنهم لا يعرفون قيمة الإمام الذي يشفي القلوب من أمراض الشك والكبر والجهل. ومن هنا فإنّ الانبهار بالماديات منع الناس من فهم مقام الإمام الجواد الحقيقي. - مرض التشكيك:
أخطر ما في هذا الزمان هو أن العقل البشري يريد أن يقيس كل شيء بمقياسه المحدود. فإذا سمع عن معجزة قال: «لا أصدّق حتى أرى». هذا ليس عقلانية، بل جهلٌ مغلّف بثوب الفلسفة. الإمام الجواد لم يكن يعرض معجزاته ليثبت نفسه، بل ليكشف الحق لمن أراد الحق. أما من أصرّ على الإنكار، فإنما حجب نفسه عن النور.
مظلومية الإمام الجواد تكشف مقامه
- السم في العنب:
حين خاف الطغاة من علمه ونوره وهيبته، قرروا التخلص منه بالسم. دسّوا السم في عنب رازقي، ثم أغلقوا الأبواب عليه. بقي الإمام يعاني الألم والعطش، ينادي: «إن كنت قتلتِني، فاسقيني شربة ماء»، لكن الماء حُجب عنه. هذه ليست مظلومية بسيطة. هذه شهادة بأن مقام الإمام الجواد كان يخيف الطغاة. - ثلاثة أيام بلا دفن:
ثلاثة أيام بقي الجسد الشريف فوق السطح، تحت شمس بغداد. هذا المشهد يعيد إلى الذاكرة مظلومية أهل البيت منذ كربلاء. لكن المظلومية ليست ضعفاً، بل دليلاً على الرفعة. فكما علا مقام الحسين بدمه، علا مقام الإمام الجواد بظلامته.
النتيجة
بعد هذا العرض، يتضح أن مقام الإمام الجواد هو مدرسة نور وهداية، لا يمكن اختزاله في عمره القصير أو معجزاته القليلة الظاهرة. مقامه مقام هداية، علم، رحمة، وقدرة. مقامٌ يفوق مقاييس العقول المحدودة. مقامٌ مرتبط بالعرش، وبنور الحسين، وبسرّ الإمامة. ومن أراد النجاة من الجاهلية الحديثة، فليعد إلى هذا الإمام، تسليماً ومحبةً واتباعاً.
“للمزيد من مشاهدة دروس فوائد العقل، يُرجى النقر هنا.”