دلالات التفرد الإلهي في ملكوت السموات والأرض، وكيف تشتري العزة الإلهية تمجيد العبد الناقص بفيض من كرم الوجه وجبر النقص.

سیاحة التسبیح؛ التفرد الإلهي ونفي الشبيه؛ الحلقة 27

أحدث مقاطع الفيديو

سیاحة التسبیح؛ التفرد الإلهي ونفي الشبيه

الحلقة السابعة والعشرون:

آفاق التوحيد وحقيقة “لا إله إلا الله”

إنّ قولنا لا إله إلا الله ليس مجرد لقلقة لسان أو وحدانية عددية، بل هو صرخة حق تزلزل أركان الوهم وتثبت دعائم اليقين في القلوب؛ فهي تعني في جوهرها أنّه لا كفؤ له، ولا شبيه له، ولا شريك له في ملكه. إننا حين نلهج بهذا التهليل العظيم، نعلن للعالم أجمع أنّه لا نظير لهذا الخالق في الوجود، بل ولا نظير له حتى في أفعاله المقدسة التي يدبر بها شؤون خلقه.

إنّ أفعال الله سبحانه، هذا الشغل الإلهي العظيم الذي يحرك ملكوت السموات والأرض، لا يمكن أن يقاس به فعل بشر أو يقارن به صنع مخلوق مهما علا شأنه. فذات الله سبحانه وتعالى تمثل الحقيقة المطلقة التي لا يخلو منها مكان بعلمها وقدرتها، وفي الوقت ذاته لا يسعها مكان لعظمتها وتنزّهها عن الحدود والقيود المادية التي تحكمنا نحن المخلوقين.

“لمشاهدة الحلقة 27 من الدروس سیاحة التسبیح علي يوتيوب اضغط هنا.”

 

معضلة المكان والحيرة العقلية

  • مفارقة الوجود والمكان:
    أقف معكم عند قضية تحيّر العقل؛ ففي عالم المادة، إذا كان المكان لا يسعكم، فأنتم بالضرورة خارجون عنه، وهذا يعني خلوّ المكان منكم. لكن الله تعالى محيط بكل شيء، فلا المكان يسعه لعظمته، ولا هو يخلو من بقعة في الوجود لشهوده وقيوميته ومدده الدائم.

  • مثال جحر النملة:
    انظروا إلى جحر النملة؛ أنت أيها الإنسان بجسدك لا تقدر على ولوجه، فخلا منك الجحر لعجزك. أما الله، فلا يُقاس بخلقه، فهو المحيط ببيت النملة وبالعرش العظيم في آن واحد، وهي قضية تضع العقل في حالة بحيرة تامة، فلا ندري “كيف” هو الله، لأن الكيفية من شأن المحدود.

 

التفرد الإلهي في أفعال الخلق

  • عجز المضاهاة في الصنع:
    قد يظن البشر أنهم “خلاقون” حين يرسمون لوحة، لكن شتان بين فعلهم وفعل الله. هل يطيق أحد أن يخلق مثل رسم الله في الشمس بوهجها، أو القمر في كبِد السماء، أو تفاصيل عروق الأشجار وجريان الأنهار؟ إنكم مهما فعلتم، لا تكافئون الله أبداً في إبداعه.

  • نفي الشبيه والعدل:
    قد نجد في عالمنا توأماً يشبه الآخر في الملامح لكن لا يكافئه في العلم، أو شخصين عدلان يتساويان في النسب والقرب، لكن الله منزه عن الأشباه والأنداد. هو سبحانه ليس له شبيه أصلاً، فالتفرد الإلهي يقتضي نفي الشبه قبل نفي الشراكة، فهو الأحد الذي لا يتكرر.

 

عطاء الربوبية ونفي الشراكة في الانتفاع

  • مشاركة النملة للإنسان:
    النملة تشاركنا في “الوطن” والانتفاع بالرزق والماء، لكن الله تعالى ليس شريك خلقه في الانتفاع. خلقه هم المستفيدون وهو الغني عنهم. هو الذي ينجز لهم رغباتهم، فإذا أراد العبد أن يرى، جعل الله بركة في عينه بـ نور البصر، وإذا أراد أن يسمع، جعل البركة في أذنه.

  • الله هو المنجز والمثمر:
    نحن في الحقيقة مريدون فقط، والله هو الذي ينجح لنا مقاصدنا. نحن لا نملك من أمر حواسنا شيئاً، بدليل أننا نفقدها في النوم أو الموت. فالله هو الذي يسمّعنا ويبصّرنا، وهو الوحيد الذي يملك السمع والبصر حقيقة وذاتاً، وما نحن إلا مستمدون من فيضه الدائم.

 

آية المنام واليقظة ودلالة القدرة

  • النوم كموت أصغر:
    انظروا إلى قوله تعالى: ((وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُم بِاللَّيْلِ))؛ فالمنام دليل قاطع على أننا لا نملك قدراتنا الذاتية. حين ننام، يسلُبنا الله الحسّ، ثم يحيينا ولا نعرف كيف استيقظنا، فنقول: “الحمد لله الذي أحياني بعد ما أماتني”، اعترافاً بأن التفرد الإلهي هو المحرك لكل لحظة من حياتنا.

  • قصور إدراك الأعمى:
    الأعمى حين يقول “الله متفرد بالبصر”، قوله صحيح لكنه لا يذوق طعمه لأنه لا يعرف ماهية البصر. كذلك نحن، حين نُهلّل الله في قضايا الغيب أو روح القدس، فنحن نُقرّ بعظمة لا نحيط بها علماً، ونعترف بقدرة نافذة لا ندرك كنهها، فنبي الله يهلّل بيقين، ونحن نُهلّل بقرار اللسان.

 

التهليل المقبول وكرم الوجه الإلهي

  • الفرق بين الواحد والأحد:
    هناك من يقول “الله واحد” ويقصد وحدانية تقبل التكرار في الوهم، وهذا ينتقص من عزة الإله. أما التوحيد الحقيقي، فهو الإيمان بـ “الأحد” الذي لا كفؤ له. التهليل الصادق هو ما ينبغي لـ كرم وجهه وعز جلاله، أي الاعتراف بأن الله أكبر من حكاية ألسنتنا وقصور بياننا.

  • مثال نملة سليمان:
    حين قالت النملة لسليمان “أنت الملك”، كانت تظن أن الملك هو امتلاك “جرادة”، لأنها لم تدرك ملكه للريح والجن. كذلك نحن، حين نمجد الله، نمجده على قدر عقولنا الصغيرة، لكن الله بـ كرم وجهه يشتري منا هذا الثناء الناقص ويجبره، وينزله منزلة تمجيده لنفسه سبحانه.

 

النتيجة

نخلص من هذا البحث الإيماني إلى أن التفرد الإلهي هو حجر الزاوية في عقيدتنا؛ فالله تعالى لا يُقاس بخلقه، وعجزنا عن إدراك عظمته هو في حد ذاته أقصى درجات المعرفة. إن قبول الله لتهليلنا ليس لجودة بياننا، بل لـ كرم وجهه الذي جبر فقر كلماتنا حين لجأنا إليه معترفين بالعجز، فصار فقرنا غنىً بقبوله سبحانه.

“للمزيد من مشاهدة دروس سیاحة التسبیح، يُرجى النقر هنا.”

 

بدون دیدگاه