شمس لاتغيب؛ عدل المهدي و زمان الفرج
الحلقة التاسعة والخمسون:
أحوالُ الإمام المهديّ (ع) وضرورةُ معرفته
أمّا بعد، ففي أحوال الإمام المهدي (ع) وردت أحاديث شريفة تُبيّن ضرورة معرفته لطالبي النجاة. لقد سمعتُ مسلمة تقول: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: “المهديُّ من عترتي، من وُلدِ فاطمة، يعملُ في الناسِ بسُنّة نبيّهم، فيمكثُ سبعَ سنين يسيرُ بسيرة رسولِ الله ﷺ، ثمّ يُتوفّى فيصلّي عليه المسلمون.” وهذا يدلّ على أنّ معرفةَ الإمام المهدي (ع) ضرورةٌ لا مفرّ منها. فهو الذي يرحل عن دار الدنيا لتُسلّمها إلى قيام الساعة.
أطالَ اللهُ عمرَه وبقاءه وجعله ظلّاً على رؤوسِ المؤمنين، فإنّ قيامَه هو ختامُ الدنيا وبدايةُ الفرج الذي نترقّبه. وهذا المعنى نجدُ ما يعضّده في رواياتٍ أخرى عن الإمام الحسين عليه السلام. نحنُ نترقبُ حلولَ عدل المهدي و زمان الفرج كغايةٍ للوجود.
عَدْلُ المَهْدِيِّ: القسطُ يُطهِّرُ الأرضَ مِنَ الظلم والجور
وقال أبو سعيدٍ الخدري رضي الله عنه: ذكرَ رسولُ الله ﷺ بلاءً تصيبُ هذه الأمّة، حتى لا يجدَ الرجلُ ملجأً يلجأُ إليه من شدّة الظلم. فيبعثُ اللهُ رجلاً من عترتي، من أهلِ بيتي، فيملأُ الأرضَ قسطاً وعدلاً كما مُلِئت جوراً وظلماً. أيّها الأحبة، ليس الأمر كما يتوهّم البعض أنّه يجيء من كلّ قومٍ أو قبيلة. بل إنّه من بيتِ رسولِ الله خاصةً، ومن نسلِ السادة الطاهرين. فهو المنقذُ العظيم الذي يخلّصُ البشريّة جمعاء من نيرِ الظلم والجور.
- نهايةُ الجور وبدايةُ الصلاح:
ومع أوّل ظهورٍ لـالإمام المهدي (ع) يتبدّلُ حالُ الأرض. ويُدرِك الناس أنّهم مُقبِلون على حياةٍ جديدةٍ تُمحى فيها الحدود وتتهاوى الدول. ويغدو البشرُ إخوةً متساوين تحت راية العدل الواحد. إنّ قدوم عدل المهدي و زمان الفرج هو نهايةُ كلِّ جورٍ وبدايةُ كلِّ صلاحٍ. يرضى عنه ساكنُ السماء وساكنُ الأرض، فهو سيفُ البركة على الخليقة. - الوفرةُ والاطمئنان في زمنِه الشريف:
ولا يبقى في زمنه عليه السلام خوفٌ من سبُعٍ أو وحشٍ أو اعتداءٍ، فتنقرضُ أسبابُ الرعب. فلا سجون، ولا إرهابيّون، ولا مشرَّدون فارغو اليدين بلا مأوى ولا سكن. الناسُ في طاعته مجتمعةٌ، يطلبون هديَه، ويرغبون في اتّباعه. فيسعدهم في نظام معيشتهم، ويُحسِن إدارة أعمالهم. فلا يبقى عاطلٌ عن العمل، ولا امرأةٌ بلا كافل. إنّ عصره هو تجسيد حقيقي لـعدل المهدي و زمان الفرج.
آياتُ الظهورِ وجمالُ طاووسِ أهلِ الجنة
- علامةُ السلامِ على أصحابِ الكهفِ وقوّةُ عيسى:
ويروي بعضُهم أنّ الإمام المهدي (ع) يَظهرُ في زمنٍ تُظهِرُ فيه السُّننُ والقوى علاماتٍ مذكورةً عند أهل المعرفة. ويُقال أيضًا إنّ الإمام يُسلّم على أصحاب الكهف حين يبعثهم الله، فيحييهم ربّ العالمين آيةً للناس. سلامُ الإمام على أصحاب الكهف علامةٌ جليّة تُميَّز بها أمرُ المهديّ. وقد ذكر الإمام الصادق عليه السلام أنّ قبل المهديّ خمسةَ عشرَ مهديّاً لم يملكوا هذه الآية العظيمة، مما يدلّ على تفرّد صاحب هذا الزمان. ويُذكَر السينُ والقاف، فيُقال: السينُ سناؤه، والقافُ قوّةُ عيسى عليه السلام، إذ يقترن في عصره نصيبٌ من تأييد السماء. فهذه الآيات كلّها تسبق حلولَ عدل المهدي و زمان الفرج. - جمالُ “طاووسِ الجنّة” وكلامُه العذبُ:
الإمام المهدي (ع) هو طاووسُ أهل الجنّة، كما وصفتْه الروايات. جمالٌ يجلّ عن الوصف، وبهاءٌ يمنحُ الجنّةَ نوراً فوق نور. وإنّ أجمل ما في الجنّة هو طاووسُها، فكذلك الأرضُ كلّها تُصبحُ ملكاً مسخّراً بنور الإمام المهدي (ع). وما ذُكِر عن “طاووس الجنّة” إنّما هو لِما يحملُه من جمالٍ وبهاءٍ يأسرُ العينَ والقلب. الحقيقةَ الأسمى أنّ سيّدَ هذا الجمال هو الإمام المهدي (ع)، فهو ملكُ الملكِ الذي جعله الله آيةً في الحُسن والجلال. وإنّ كلامه أحلى من العسل، يطعم القلوبَ لذّةً لا تُوصَف. فكلامُه عليه السلام لا يُمَلّ، بل يزدادُ بهجَةً كلّما طال المجلس، ويتمنّى المؤمنُ ألّا ينقطعَ حديثُه. هذا الجمال والكمال هو ما يميّز عدل المهدي و زمان الفرج. - بركاتُ السماءِ وسناءُ النور:
ولا تدعُ السماءُ من قطرِها شيئاً إلّا صبّتْه مدراراً، وتُنزِل بركاتها على الأرض. فتصلُ المياهُ إلى كلّ موضعٍ محتاجٍ، وتُبعث الحياةُ في المدنِ والبلاد، ويعمّ طاعةَ الله ورِضوانَه، فلا يبقى موضعٌ يُحرَم من الخير. وتُخرجُ الأرضُ نباتها بلا نقصان، حتى يتمنّى الأحياءُ لو أنّ الموتى رُدّوا ليشهدوا تلك الأيّام المباركة. وإنّ النورَ المنتشر في زمانه نورُ خيرٍ ونعمةٍ وعدلٍ يصل إلى كلّ إنسان. يسمّيه بعضُهم “سناء السماء” لما فيه من بهجةٍ تُطمئنُ القلوب. وهكذا يكون الإمام المهدي (ع): نوراً سارياً، وعدلاً جارياً، وبركةً تفيض على الخلق في زمن عدل المهدي و زمان الفرج.
النتيجة
كيف لا نرغبُ فيمن جعله الله سيّدهم وقائدهم؟ فمن جلس بين يديه أحسّ أنّه يتذوّق العسل من فمٍ يتحدّث بالحقّ، فيرقّ قلبُه وتنشرحُ روحُه. وهذا الذكرُ عبادَة من أعظم العبادات، لأنّه يورثُ نشاطاً ويبعثُ شوقاً. واذكرِ اللهَ واذكرِ الإمام المهدي (ع)؛ فذكره يجلبُ البركة، يقوّي الإيمان، ويُذهبُ الحزن. حوائجُكَ تُقضى ونِعَمُكَ تَتتابَع بذِكر الإمام المهدي (ع). لازمٌ علينا أن نقومَ بالواجب ونُؤدّي ما علينا بوعيٍ ورشدٍ، لنراه في عزِّه، ونترقّب حلول عدل المهدي و زمان الفرج الذي وعدنا الله به.
“للمزيد من مشاهدة دروس شمس لا تغيب، يُرجى النقر هنا.”