شمس لاتغيب؛ المهدي وعيسى بن مريم
الحلقة الحادیة والخمسون:
المهدي المنتظر ونزول عيسى بن مريم عليهما السلام
كُنّا نَتَحَدَّثُ عن مسألةٍ عظيمةٍ تتعلّقُ بظهورِ وليّ الله الأعظم، الإمام المهديّ عليه السلام، ونزولِ عيسى بن مريم عليه السلام. وهذه المسألةُ ليست مجرّدَ نبوءةٍ عابرة، بل هي قضيّةُ كمالِ الدّين وتمامِ النجاة للخلق أجمعين. نحنُ اليومَ نُسلّطُ الضوءَ على المشهدِ المباركِ الذي يجمعُ المهدي وعيسى بن مريم، وكيف يكتملُ بهما النور. فكما وردَ في الرواياتِ عن رسولِ الله صلى الله عليه وآله وسلم، أنّ أمَّ شَريك بنت أبي الحَكَم تساءلت: يا رسولَ الله، فأينَ العَرَبُ يومئذٍ؟ وكان جوابُه صلى الله عليه وآله وسلم يحملُ في طيّاته دلالاتٍ عميقةً تتجاوزُ المعنى اللغويّ الظاهر، ليرسمَ لنا خريطةَ الولاء الحقيقيّ.
يقولُ رسول الله: هم يومئذٍ قليلٌ، وجُلُّهُم ببيتِ المَقدِس. وإمامُهُم قد تَقَدَّمَ يُصَلّي بهم صلاةَ الصُّبح، فإذا نَزَلَ بهم عيسى بن مريم. وهنا لا بدّ من التنويه إلى أنّ “بيت المقدس” عندنا، نحنُ شيعةُ رسولِ الله، هو مسجدُ الكوفة. أمّا المسجدُ المعروف اليوم ببيتِ المقدس فهو الذي يُسمّى بالمسجد الأقصى. إنّ هذه الإشارةَ لموقعِ صلاةِ الإمام المهديّ تُحدّدُ مركزَ النور الذي سيشعّ منه العدلُ في أرجاء المعمورة، وهو المشهد الذي سيبدأ به زمن المهدي وعيسى بن مريم.
من هم العرب الحقيقيون وأهل الولاية؟
- العربُ الحقيقيّون ودِعامةُ الإسلام:
وعندما سألت أم شريك عن العَرَب، فإنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يُسَمّي الشيعةَ “العرب”. أي أنّ شيعةَ العربِ هم شيعته، عليهم السلام، لأنّهم حملوا لواءَ الولاءَ الصادق. فلفظُ “العربي” لا يقتصرُ على مَن كان لسانُه عربيّاً، بل هو يعني الذي لا نقصَ عندَه في الدّين والإيمان. وقد قرأنا في “الكافي الشريف” أنّ هذا الإنسان الذي لا يُوالي عليَّ بن أبي طالب عليه السلام لا يملكُ دِعامة الإسلام، فلا يستطيع أن يُسمّى مُسلماً كاملاً، لأنّ الجدارَ يحتاجُ إلى دِعامةٍ وإلّا ينهَدّ. - خطرُ الهدم الروحيّ وعدمُ نيل الحلاوة:
إنّ بناءَ الجدارِ على الإسلام والتسليم لرسول الله وأهل السُّنّة قد يكونُ صحيحاً في الظاهر، ولكن بعد حينٍ ينهدمُ البناءُ الروحيّ إن فُقدت الولاية؛ فلا يجدون حلاوةَ الصوم والصلاة والذّكر، ويميلون مثلاً مع يزيد على ابن الحسين ابن محمد علي. لذا، فإنّ العربَ الحقيقيّين هم أهلُ الولاية، وهم من يكونون في بيتِ المَقدس (الكوفة) وقتَ نزولِ عيسى بن مريم، يصلّون خلف الإمام المهديّ. إنهم يُمثّلون النواةَ التي سيُبنى عليها عهدُ المهدي وعيسى بن مريم.
إمامةُ المهديّ وتأكيدُ عيسى بن مريم عليها
- مشهدُ التقديم والإقرار بالسيادة:
في هذا المشهد العظيم الذي ينقله لنا رسولُ الله، فإذا نزل عيسى بن مريم، نرى الإمامَ يرجعُ ويمشي القَهقَرَى خُطوةً خُطوةً لِيُقَدِّمَ عيسى للصلاة، وهذا من الأدب الرفيع الذي يليق بأهل البيت. ولكنّ عيسى عليه السلام يضعُ يدَه بين كتفي الإمام المهدي ويقول له: «تقدّم». هذا الموقفُ تأكيدٌ إلهيّ على أنّ هدايةَ المهدي هي القمّةُ والختامُ لرسالات السماء، وهو جوهرُ العلاقة بين المهدي وعيسى بن مريم. - هدايةُ المهديّ ختامٌ لرسالات الأنبياء:
وهذا تأكيدٌ على أنّ هدايةَ المهدي هي القمّة والختام، وأنّ تعاليمَ عيسى وسُننَه، وهي تتمّةٌ لرسالات الأنبياء كـ موسى ونوح وإبراهيم، كلّها تقفُ خلف هداية المهديّ، فيتقرّبُ عيسى إلى الله بالصلاة خلفه. إنها صلاةٌ على صلاة، أي إقرارٌ بالسيادة المطلقة لخلافة المهدي، وأنّ حكمَه هو الكمالُ الذي ترتضيه الشرائعُ كلّها. إنّ هذا المشهد يوضحُ بجلاء مقامَ المهدي وعيسى بن مريم ودورهما التكامليّ.
أوصافُ المهدي وعدله الشامل وكرامات أهل البيت
- الأوصافُ النبويّة للمهدي:
وفي الرواية أيضاً، نجدُ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم يُحلّي المهدي عليه السلام بأوصافٍ بهيّةٍ يعرفُ بها المؤمنون هذا القائد الإلهيّ. قال: «المهديُّ مني، أَجلى الجبهة، أَغْنى الأنف»؛ أي واسعُ الجبهة غيرُ مفطوس، و«وجهُه كالقمر الدُّرّي» أي مستديرٌ مُشرِق. ووصفَه كذلك بأنّه «طاووسُ أهلِ الجنة»؛ أي أحسنُ ما في الجنة وأبهى وجوهِها.
- الظلمُ والجَورُ بسبب عدم الاعتراف بالخلفاء:
إنّ هذا الظلّ الذي يُغطي العالم اليوم بالظلم والجَور هو ظلُّ عدمِ الاعتراف بمقامِ رسولِ الله ومقامِ خلفائه، مع أنّهم النجاةُ للخلق في شؤون الشفاء والعافية وطول الأعمار وصحّة الأبدان وسلامة العيال وتربية الأولاد. فكيف يطلبُ الناسُ الخيرَ لغير رسول الله، والقرآنُ يصرّحُ بوضوح: «أَغْنَاهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ»؟ إنّ عدمَ إدراكِ هذا الفضلِ هو ما يوجبُ الجَورَ الذي سيزيلُه المهدي وعيسى بن مريم.
- حكمُ المهديّ وعدلهُ الشامل:
إنّ الإمام المهدي وعيسى بن مريم هما البابُ للخير. وعندما يتسلّم الإمام المهدي، ذلك الإنسانُ الكامل، خلافةَ الله وحملَ الحكم، يملكُ عشرين سنةً من الخلافة، يُرضي بها الخلقَ رضاً تاماً. وتظهرُ آثارُ هذا العدل الشامل حتى في عالم الحيوان والطير؛ حيثُ تجري الأنهارُ، وتظهرُ كنوزُ الأرض، ويذوبُ الخوفُ، وتُصنعُ التكنولوجيا في خدمة الأمان، وهو ما نفتقده اليوم. وهذا هو العهدُ المباركُ الذي يُحقّقه المهدي وعيسى بن مريم. - كرامةُ الزهراء وعليّ والمهدي من ولد الحسين:
وقد رُوي عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أنّه من ولد الحسين عليه السلام. وفي الحديث العظيم الذي رواه أبو سعيد الخدري عن حديث النبيّ مع فاطمة الزهراء، أكّد لها أنّ الله اختار أباها، ثم اختار بَعلَها عليَّ بن أبي طالب عليه السلام، وهو أعلمُهم علماً، وأغرسُهم فهماً، وأكثرُهم حلماً. ثمّ أشار النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم إلى كرامات أهل البيت، فقال: «نبينا خيرُ الأنبياء وهو أبوك، ووصيُّه خيرُ الأوصياء وهو بعلك، ومنكم سبطا هذه الأمّة وهما ابناك، ومنكم مهديُّ الأمّة؛ هذه الأمّة التي ضلّت، والمهديّ يهديها ويرشدها وينجيها بإذن ربّ العالمين». ثمّ ضرب النبيّ بيده على مَنكِبِ الحسين وقال: «من هذا يخرج مهديُّ الأمّة». إنّ المهدي وعيسى بن مريم يُمثّلان اكتمالَ هذا الطريق النبويّ.
النتيجة
إنّ المهديّ المنتظر من ولد الحسين عليه السلام هو محورُ النجاة. هو ذلك الإمام الذي يُصلّي عيسى بن مريم خلفه، وهو الذي يملأ الأرضَ قِسطاً وعدلاً بعدما مُلِئَت جوراً وظلماً. ولا يمكن لأحدٍ أن ينالَ السعادةَ الحقيقيّة أو رغدَ العيش إلّا بالاعتراف بفضله وفضل آبائه الطاهرين، لأنّهم ظلُّ رسول الله والبابُ إلى فضل الله. فالمهدي وعيسى بن مريم هما نقطةُ الالتقاء بين الشرائع السماوية وكمال الخلافة الإلهية على الأرض.
“للمزيد من مشاهدة دروس شمس لا تغيب، يُرجى النقر هنا.”