سیاحة التسبیح؛ تجليات أسماء الله
الحلقة الثامنة عشرة:
حقيقة السلام في أفعال الباري عز وجل
أقف بين أيديكم اليوم لنستبصر في دعاء الإخلاص، فنجد تجلياً عظيماً لقوله تعالى: “السلام المؤمن”. إن تجليات أسماء الله سبحانه تبدأ من فهمنا لاسم “السلام”، الذي يعني أن أفعاله جل وعلا سليمة من كل مرض وعلة، ومنزهة تماماً عن الحقد أو الحسد أو أي باطل. إن كل ما يصدر عن الله هو خير محض، حتى تلك اللحظات التي نظنها صعبة، هي في جوهرها سلامة مطلقة.
حين يبتلي الله عباده بـ الاختبارات الإلهية، فإنها تنبع من حكمة بالغة وجمال لا يدركه إلا المخلصون. إن الالتجاء إلى الله والخوف منه، ثم التوكل عليه، هي الأركان السليمة التي يجب أن تقوم عليها نفس المؤمن أثناء الامتحان. فالله يمتحننا لا عن جهل، بل ليميز المتغطرس من الصادق، والمتكلف من البسيط، والكاذب من الأمين، وهو العليم بكل خافية قبل وقوعها.
ولاية الله المطلقة وإذن المعصومين في تصريف الأمور
-
إرادة الله المطلقة:
لقد علمنا أهل البيت (عليهم السلام) أن كل فعل في الوجود قائم بـ إرادة الله وحده، فلا استقلالية لأحد دونه. فحقيقة الملائكة والأنبياء أنهم لا يغنون عن أمره شيئاً ولا يسبقونه بالقول، بل هم عباد مكرمون يعملون بأمره وتفويضه. -
إذن المعصومين والشفاعة:
إن الأنبياء والأوصياء هم وسطاء مرخص لهم بفرجه وكرمه فقط؛ فإذا أرادوا تكريم أحد أو الشفاعة له، فبإذن الله وحده. وإذا أرادوا إفاضة النعمة على عبد، فإن ذلك لا يقع إلا إذا أذن الله، فهم لا يخرجون عن دائرة المشيئة الإلهية. -
التمييز بين الطيب والخبيث:
في إطار تجليات أسماء الله، نجد أن “السلام” يقتضي فصل الأشقياء عن السعداء؛ فابن ملجم رغم صحبته ومصلاته لم تنفعه قوته. لأن حبه لـ العاجلة غلب على الآخرة، وهذا التمييز هو جوهر العدل الإلهي في تمحيص العباد واختباراتهم.
الأمان الحقيقي في اسم الله “المؤمن” والهيمنة المطلقة
-
مصدر الأمان الحقيقي:
أقول لكم بيقين: إن من يظن أن الأمان يأتي من الأسباب الدنيوية أو الحكومات أو القوى البشرية فهو واهم وغافل. فكل الخلق، رجالاً ونساءً، مجرد أدوات في نظام الله، وهم في ميزان الحقيقة أقل من “بعوضة” في صنع أمان مستقل بعيداً عن مشيئة الباري. -
سلطان الله وسلب القدرة:
إن اسم الله “المؤمن” يؤكد أن السلطان مهما علا شأنه لا يملك من ذاته نفعاً ولا ضراً. فالحاكم أو القوي هو مجرد أداة، إن شاء الله أعطاه القدرة لغرض ما، وإن شاء سلبها منه في لحظة، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. -
الهيمنة والتدبير الخفي:
وصف “المهيمن” يشير إلى سيطرة الله المطلقة التي لا تحتاج إلى تقارير أو كاميرات؛ فهو يهيمن على القلوب والنفوس. يتجلى ذلك في الكوارث الطبيعية حيث ينجي الله من يشاء، كما حمى المرأة في زمن نوح (عليه السلام) رغم أنها لم تركب السفينة، فكان أمانه محيطاً بها.
النتيجة
إن الحقيقة الكبرى التي ننتهي إليها في فهم تجليات أسماء الله هي أن الله هو “السلام المؤمن المهيمن” الذي بيده ملكوت كل شيء. إن المعرفة الحقيقية تدعونا إلى التسليم المطلق والتوكل الصادق على من لا يغيب عن سلطانه مثقال ذرة، فكل ما في الوجود وسيلة وظيفية تخضع لمشيئته، ومن عرف الله لم يطلب الأمان إلا في رحابه.
“للمزيد من مشاهدة دروس سیاحة التسبیح، يُرجى النقر هنا.”