شمس لاتغيب؛ المهدي من عترة فاطمة
الحلقة الرابعة والثلاثون:
الحقيقة الثابتة والادّعاءات الزائفة
لقد سمعتُ رسولَ اللهِ صلّى الله عليه وآله يقولُ بكلّ وضوح: «المهديُّ من عترتي، من وُلدِ فاطمة». هذه حقيقةٌ قطعيّةٌ ومحورُ اليقينٍ الثابتٌ في عقيدتنا. إنّ هذا النصّ الشريف يضعُ خطّاً فاصلاً لا يقبلُ الجدل، فمن أراد أن يُتّبَع ويكون هو الموعود، فعليه أن يأتينا بـ نَسَبٍ صحيحٍ ثابتٍ يثبتُ قُربه الحقيقيّ من بضعة الرسول، فاطمة الزهراء عليها السلام.
لكنّ الأحاديث لم تكتفِ بالبشارة، بل حذّرت أيضاً من مشكلةٍ كبيرةٍ ابتُلِيَت بها الأمّةُ على مرّ العصور، وهي مسألةُ المدّعين الكاذبين؛ أولئك الذين يظهرون كـ «مهديّين دجّالين»، حتى بلغ عددُ من ادّعى المهدويّة خمسةَ عشر مدّعياً أو أكثر. يخرجُ لك أحدٌ ليس بسيّدٍ، ولا يملكُ نسباً معروفاً، ثمّ يَدّعي أنّه الموعود! بل إنّ بعضهم يظهرُ باسمٍ مضطربٍ، لا ندري أهو «محمد» أم «عبد الله»، ولا نعرفُ صدقَ نسبهم. إنّ تمييزَ الرجلِ عند الشكّ أمرٌ لازم، فليس كلّ من ادّعى منصباً صار المهديّ!
تمييزُ الرجلِ والحجّةُ في زمنِ الغيبة
لقد جاءت الرواياتُ ـ وهي ثلاثمئة رواية ـ لتمييز الرجل الصادق من غيره. هذه الثلاثمئة علامة تصفُ شخصاً لا يشاركه فيها أحد، وتميّزُ نسبه، وتُظهرُ قُربَه الحقيقيّ من فاطمة بنت رسول الله صلّى الله عليه وآله، وتُشيرُ بوضوح إلى المهدي من عترة فاطمة.
-
القربُ الحقيقيّ من فاطمة ونسبُ المهديّ:
إنّ القربَ الحقيقيّ من فاطمة شيءٌ آخر غير مجرّد الادّعاء. المهديّ من عترة فاطمة الموعود ليس من كلّ النسل، بل هو من وُلد الحسين عليه السلام. فطوبى لمن أدرك زمانه، وبه يفرّجُ الله عن الأمّة حتى يملأَ الأرضَ قسطاً وعدلاً.
-
ردّ المهدويّة الكاذبة والفتن السياسيّة:
ما ذكره بعض الناس عن «مهديّ عباسي» أو «مهديّ ابن عمار العباسي» كان مجرد واقع سياسي في زمنهم، لا علاقة له بـالمهدي من عترة فاطمة الحقيقي. لقد ابتُلِيَت الأمةُ يومئذٍ بفتن المهدويّة الكاذبة، تماماً كما ابتُلِيَت الدنيا اليوم بقنابل ذريّة.
-
فقدانُ الإمامِ لا يُعوَّضُ ببدلٍ:
لقد بحثَ الناسُ عن نظامٍ بديلٍ بعد غيبة الإمام، كأنّهم يبحثون عن رئاسةٍ جديدةٍ. ولا يعلمون أنّ فقدان المهدي من عترة فاطمة لا يُعوَّضُ ببدلٍ ولا يُستبدلُ بغيره.
-
الغيبة ثباتٌ وتمسّكٌ لا خلطٌ واضطرابٌ:
اجتهد الناسُ في المناهج، محاولين «إصلاح الرسالة» بما نقلوه من حكماء اليونان والهند والصين، وأضافوا أموراً دخيلةً على التشريع. وكأنّ الغيبة وقوفٌ على رجلٍ تحتاجُ ماءً، بينما الحقيقة أنّها ثباتٌ وصبرٌ وتمسّكٌ بالحجّة، لا خلطٌ ولا اضطراب.
منزلةُ المهديّ والنظامُ القرآنيّ
لقد بيّن رسولُ الله صلّى الله عليه وآله لفاطمة عليها السلام منزلةَ هذا البيت الرفيع، وأنّ المهديّ هو خاتمة السبعة الذين أُعطوا ما لم يُعطَ أحدٌ قبلهم.
-
المهديّ الذي يصلّي خلفه عيسى بن مريم:
منّا ـ والله الذي لا إله إلا هو ـ مهديُّ هذه الأمة الذي يصلّي خلفه عيسى بن مريم. يصلّي خلفه ليتقرّبَ إلى الله به، فكأنّ عيسى يقول له: «كن وكيلي في الكلام مع الله، فأنت أقربُ إلى الله منّي». إنّ المهديّ من عترة فاطمة هو الذي يُقدَّمُ للصلاة، وهو من نسلِ الحسين عليه السلام.
-
مثلُ أهلِ بيتي مثلُ نجومِ السماء:
قال رسولُ الله صلّى الله عليه وآله: «مثلُ أهلِ بيتي مثلُ نجومِ السماء؛ كلّما غاب نجمٌ طلع نجمٌ». حتى إذا طلع نجمٌ منهم رمته العيون، وأشارت إليه الأصابع، حتى يُؤخذ ذلك النور. ثمّ تلبثون زمناً، حتى يبدو نجمٌ آخر وهو الحسن العسكريّ عليه السلام، نورُ هدايةٍ ظاهر.
-
نظامُ المهديّ لا بديلَ عنه:
هذه المجاميع البشرية، من ديمقراطيات وتجارب وأنظمة، تبقى محاولاتٍ ناقصة، لا تقوم مقام الإمام. لكنّ المهديّ عليه السلام يأتي بـشفاءٍ لا مرضَ معه، وأمانٍ لا خوفَ فيه، وعلمٍ لا جهلَ معه، ونظامٍ قرآنيّ مبنيّ على الثقلين، نظامٍ لا بديلَ عنه.
النتيجة
كلّما غاب نجمٌ من أهل البيت طلع نجمٌ آخر، حتى بدا نجمكم الموعود. فاحمدوا الله واعملوا، فإذا ما خفي أمره، أو غاب أثره، أو اندثر ذكره عند الناس، فلا تيأسوا، فإنّهم سفراءُ النجاح، ومنازلُ الهداية، ومراسيُ النجاة. إنّ المؤمن يبقى مؤمناً، والعليّ العظيم لا يترك هذه الأمّة بلا حجةٍ ولا نور، وهو المهدي من عترة فاطمة. اللهمّ صلّ على محمّدٍ وعلى آله الطاهرين، صلاةً دائمةً باقيةً لا تزول، ونوراً لا ينقطع.
“للمزيد من مشاهدة دروس شمس لا تغيب، يُرجى النقر هنا.”