فوائد العقل؛ العقل في القرآن ودوره في مسير الحياة
الحلقة الحادیة عشرة:
العقل في القرآن: أساس التمييز البشري ومفتاح النجاة
سلامٌ عليكم أيها الأحبة، أيها المؤمنون. حينما أقفُ اليوم لأتحدث، تستوقفني كربلاء، تلك الأرضُ التي شهدتْ رحى الحوادث، ووقفتْ فيها عوالمُ من الوجدِ والعِبر. كربلاء ليست مجردَ موقعٍ تاريخي، بل هي صرخةٌ دائمةٌ للعقل والقلب. أرى نفسي منحنيًا من الوجدِ أمامَ تلك التضحيات، متأملًا في أكنافِها. يا من رايحٌ إلى كربلاء، تمثّلْ في أكنافِها رحى الحوادث، حيث وقفتْ نساءٌ مكبلاتٌ، ينادينَ أبا الفضلِ وأبا عبدالله. تقولُ زينبُ: “حيدر يا أبونا ما تجينا وتشوفني شلون؟” هذه الصرخةُ ليست استغاثةً عابرة، بل هي دعوةٌ للتأمل في الظلمِ والاستضعافِ، ودعوةٌ للعقل أن يستيقظَ ليميّزَ الحقَّ من الباطل. إنَّ العاقبةَ للمتقين، وسيعلمُ الذين ظلموا أيَّ منقلبٍ ينقلبون.
بعد هذه الوقفةِ مع كربلاء، أودُّ أن أستلهمَ من كلامِ مولانا موسى بن جعفر (ع) فيما أوصى به هشامَ بن الحكم، حيث بيّنَ أنَّ العقل مع العلم. قال تعالى: ﴿وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون﴾. صدق الله العلي العظيم. فالعقلُ هو مفتاحُ فهمِ الأمثالِ الإلهيةِ والتمييزِ بينَ الحقِّ والباطل. إذا أردتَ أن تكونَ عاقلًا متميّزًا عن باقي الحيوانات، فعليك أن تشغلَ عقلك. امتيازُنا نحن البشرِ بالعقل، وليس بالقوةِ البدنيةِ أو وفرةِ الشعر. فإذا لم تستفدْ من عقلك، فلا فرقَ بينك وبين الحيوان. اللهُ لا يضربُ الأمثالَ في القرآنِ عبثًا، بل ليوصلَ رسالةً عميقة تهدف إلى تفعيل العقل في القرآن.
أمثال القرآن: دروسٌ للعقل الواعي وتحدٍ للمظاهر الزائفة
القرآنُ ليس كتابَ قصصٍ فقط، بل هو كتابُ هدايةٍ وتأويل. يضربُ اللهُ مثلًا بفرعون، هذا الطاغوتِ الذي استضعفَ طائفةً وقسّمَ الناسَ شيعًا. فرعونُ هذا يتكررُ في كلِّ زمانٍ ومكان، في كلِّ من يستكبرُ على الناسِ ويقسمهم إلى طبقاتٍ بناءً على جنسيةٍ أو لونٍ أو مال. فمن يقولُ: “الجوازُ السويسريُّ أشرفُ من العراقيِّ”، أو من يرى نفسَه أرفعَ من غيره، هو فرعونُ زمانِه، ومن لا يستفيد من العقل في القرآن يقع في هذه المغالطات.
-
بلعم بن باعوراء والمغترّون بالعلم:
ومثلُ بلعمَ بن باعوراء، صاحبِ العلمِ الذي انسلخَ من آياتِ الله، يعلّمنا أنَّ العلمَ وحده لا يكفي إن لم يُقرنْ بالتقوى والعملِ الصالح. فالقرآنُ يذكرُ أمثالًا كهذهِ لكي لا ننخدعَ بالمظاهرِ الزائفة. المغيرةُ بن شعبة، الذي كسرَ ضلعَ فاطمةَ (ع)، كان مفتيًا يعرفُ السننَ والأحاديث، لكنَّ موقفهَ من آلِ البيتِ كشفَ حقيقةَ علمه. فليسَ كلُّ عالمٍ يُتّبعُ ويُقلّد. -
قصة يوسف (ع) ودلالاتها المعاصرة:
فهمُ القرآنِ يتطلبُ التأويل، فقصةُ يوسفَ (ع) ليست مجردَ قصةٍ تاريخية، بل هي مثلٌ يرينا أنَّ الإمامَ المهديَّ (عج)، وإن كانَ وحيدًا ومستضعفًا، فهو سلطانُ اللهِ الذي يختارهُ للعاقبة. فلا تستحقرنَّ إنسانًا تراهُ غريبًا أو فقيرًا أو وحيدًا، فالمجتمعُ يستضعفُ الغرباءَ والمعدمين، وهذا عينُ الذلّ. الناسُ تركضُ وراءَ الشكلياتِ والمظاهر، حتى أنهم يرمونَ جنازةَ الإمامِ موسى بن جعفر (ع) بالحجارةِ لأنهُ خرجَ من السجنِ بلا موكبٍ ولا سلطة. -
الفرق بين خلفاء الله والمظاهر الزائفة:
علينا أن نفرّقَ بينَ خلفاءِ اللهِ في الأرضِ والمظاهرِ الزائفة. لا تنخدعوا بمن يمتلكُ العتادَ والجنودَ، فهؤلاءِ يسعون لسرقةِ عقولكم. طالوتُ ويوسفُ (ع) كانا أصحابَ علمٍ وقوةٍ وأمانةٍ، لا أصحابَ مالٍ وجاه. فرعونُ كان عبدًا تعلمَ السحرَ فتجبّرَ واستحوذَ على العقول. وهامانُ هو كلُّ من يبخلُ ويقفُ بوجهِ رزقِ الناس. وأصحابُ الرسِّ هم من اعتزوا بغيرِ اللهِ وبسدودٍ منيعةٍ غيرِ الله، فبدّدهم اللهُ في ليلةٍ وضحاها.
سنن الجاهلية في زماننا وكسرها بالعقل والقرآن
إذا اعتززتَ بغيرِ اللهِ، فاعلمْ أنَّ الذلَّ أمامك. هذا ما قالهُ السيدُ الجدُّ محمد كاظم المدرسي (ره) عن هتلر. الاعتزازُ بالجوازِ أو اللونِ أو القبيلةِ هو من سننِ الجاهليةِ التي جاءَ الإسلامُ ليكسرَها. رسولُ اللهِ (ص) كسرَ حاجزَ الجاهليةِ بتزويجِ زيدٍ من زينب. كنْ مبطلًا للباطلِ ومحققًا للحقِّ، ولا تمرَّ على كلماتِ الجاهليةِ مرورَ الكرام، بل استخدم العقل في القرآن لتبطلها.
-
استضعاف المرأة واليتيم في المجتمعات:
بعضُ العشائرِ والقبائلِ لا تزالُ متمسكةً بسننٍ جاهليةٍ تستضعفُ طائفةً وتُهدرُ حقَّ اليتيمِ وتظلمُ الطفلَ والمرأة. اللهُ يغضبُ للمرأةِ كما يغضبُ لليتيم. إياكَ أن تظلمَ ضعيفًا لا يجدُ غيرَ اللهِ معينًا. الرجالُ المتجبرون على زوجاتهم يذلّونَ في أواخرِ حياتهم. هذهِ سنةُ الحياة، ومن لا يتأمل فيها لا يستخدم العقل في القرآن. -
الصمت والتوبة والتوكل على الله:
داود (ع) حكم حكمًا باطلًا ثم تاب إلى الله ولم يستكبر. واليوم نرى من يفتي بغير علم في الزواج والطلاق، مع أن الصمت خير عبادة. نحن بحاجة إلى فهم تأويل القرآن للتمييز بين من نصاحبه ومن نبتعد عنه؛ فقصة الخصمين عند داود تعلمنا أن الطمع لا يقف عند حد. علينا التوكل على الله في أقدارنا وعدم منع الزواج بحجج واهية، فمن يظن أن الله معطل في الرزق لم يدرك حقيقة **العقل في القرآن**، ولم يفقه أن الله هو مسيّر المقادير ومدبّرها.
النتيجة
اقرأوا القرآنَ كلَّ يومٍ، وتدبّروا آياتهِ، فـ ﴿وما يعقلها إلا العالمون﴾. لا يفتهمُ اللهَ حقَّ الفهمِ إلا من أصابَ العلمَ وتعمّقَ فيه. العلمُ أمامَ العقلِ، والعقلُ تابعٌ له. اذهبْ وتعلمْ، لتعرفَ كيف تستفيدُ من عقلكَ وتُفعّلَهُ في مسيرِ الحياةِ الدنيا والآخرة. أعودُ إلى كربلاء، إلى تلكَ الأرضِ التي شهدتْ بيعَ إمامِ زمانهم بثمنٍ بخس. أناسٌ باعوا الحسينَ (ع) بثلاثةٍ وعشرين ألفًا، أو ما شابهَ ذلك. فماذا كانت تلك القيمةُ؟ أكانت ذهبًا وقصورًا؟ وهل يوزنُ بها حافظُ القرآنِ كله، من عرفَ سننَ النبيِّ، ثم باعَ إمامَ زمانهِ؟ هذا هو الجهلُ بعينه، وهذا هو العقلُ المعطّلُ الذي لم يستفدْ من آياتِ اللهِ ولم يتدبّرْها، ولم يفهم العقل في القرآن.
“للمزيد من مشاهدة دروس فوائد العقل، يُرجى النقر هنا.”