سیاحة التسبیح؛ سبحان المنعم المفضل
الحلقة التاسعة والاربعون:
سبحان المنعم المفضل في إنعامه
نقول: سبحان المنعم المفضل، فهو سبحانه منزّه في إنعامه عن أن يمضي بمشي المخلوقات. المخلوق عنده دعاوى وليست حقائق؛ ينعم عليك بالغذاء، يمدّ السفرة، ثم يمنّ عليك، ويتوقّع منك المقابل. أمّا الله تعالى، فإنّه إذا أنعم فلا رياء في إنعامه، ولا مفاخرة، ولا سُمعة، ولا انتظار جزاء من عبده. منزّه الإله أن يكون إنعامه دعوى أو مكيدة.
نحن لا ننكر أنّ الله يخلق الشر، كما قالت الجن: ﴿أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾، ولكن كلامنا فيمن أراد الله به رشدًا؛ فإذا أنعم الله على عبدٍ، فإنّما ينعم عليه ليقرّبه إليه، وليوصله إلى عبادته وصفاته. سبحان المنعم المفضل الذي لا يُبطن الشرّ إذا أراد بعبده الخير.
الفرق بين إنعام الخالق وإنعام المخلوق
- إنعام الله لا يعقبه انقلاب:
- العباد قد يُحسنون ثم ينقلبون؛ يُكرمك اليوم ويكرمك غدًا، ثم إذا به يعاديك. أمّا الله تعالى، فإذا أنعم على عبده وأراد به رشدًا، فلا يتحوّل إنعامه إلى عداوة. منزّه أن يتعامل بالمكر بعد النعمة، لأنّ إنعامه إحسانٌ خالصٌ لا شائبة فيه.
- الاستدراج والخذلان سنّة أخرى:
- نعم، هناك تجلّيات الاستدراج والخذلان، وقد يغدق الله على من يمقته، كما حدث لفرعون؛ ولكن ذلك ليس فضلًا حقيقيًا، بل كيدًا إلهيًا لمن أبى العبادة. لذلك نقول: لا يُدرى المطر أهو نعمة أم نقمة. أمّا إذا ثبت أنّ الله أنعم على عبدٍ وأراد به رشدًا، فذلك فضلٌ لا يُسلب.
- الزبير نموذج إنعام المخلوق المذموم:
- كان الزبير يتعاون مع عليٍّ عليه السلام، ظاهرُه جميل، لكنّه أعقبه نفاقًا وحبًّا للدنيا. فكان إنعامه في باطنه نقمة. المخلوق قد يُحسن ليكيد، أمّا الله فغير ذميم في إنعامه، بل هو مجيدٌ ممدوح.
الاعتماد التام على المنعم سبحانه
- الثقة المطلقة بإنعام الله:
نحن الشيعة نحبّ عليّ بن أبي طالب عليه السلام، فإذا متنا على هذا اليقين، فنحن على اعتمادٍ تامٍّ بربّنا. كما قال أمير المؤمنين لليهودي: أنا على يقينٍ من ديني، وكلّ مفردةٍ فيه جزاؤها الجنّة. هذا هو معنى الثقة بـ سبحان المنعم المفضل. - الإيمان غير المذبذب:
لا معنى لدينٍ يقول صاحبه: لا أدري أهو مقبول عند الله أم لا! إذا كان الدين دين الله، فلا بدّ من اليقين بوعده. المجاهدون في ثواب الله، والمصلّون في ثواب الله. نحن على يقينٍ أنّ إنعامه غير مقطوع، وأنّ فضله لا ينقلب خذلانًا لمن ثبت على الحق. - المخلوق لا يؤمن شرّه:
كلّ مخلوقٍ يُخاف انقلابُه؛ حتى الحيوان قد يأمنه الإنسان ثم ينقلب عليه. أمّا الله تعالى، فإذا وعد وأنعم، فليس في فعله غدر. لذلك نقول دائمًا: سبحان المنعم المفضل، المنزّه عن الغدر والمكر في موضع الفضل.
معنى الفضل الحقيقي وتمييزه عن الرذيلة
- هل كلّ معطٍ صاحب فضل؟:
ليس كلّ من أعطى كان ذا فضل. فرعون كان يُقال عنه صاحب فضل، لكن موسى عليه السلام قال له: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ﴾. ليست كلّ نعمةٍ فضيلة؛ قد تكون رذيلة في ميزان السماء. - معاوية وطلب السمعة:
معاوية كان يُعطي ليُطاع ويُمدح، وهذا ليس فضلًا، بل طلبُ دنيا. صاحب الفضل في ميزان الله هو من قصد وجه الله، لا من قصد السُمعة والجاه. - احترام السلاطين للعلماء:
قد يحترم السلطان بعض العلماء، كما كان هارون يفعل، لكن ذلك لا يُعدّ فضيلة. قد يكون وسيلة لإركاس الناس أو تثبيت ملكه. مدح أهل الأرض لا يعني مدح أهل السماء.
البصيرة في معرفة أهل الفضل
- معيار الإسلام الحق:
قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾. الإسلام هو التسليم، والتسليم يعني الولاية الحقّة. فمن لم يُسلّم لله كما أراد، فعمله مردود، وإن بدا في أعين الناس فضلًا. - الخاتمة بخير هي المعيار:
قد يبدأ الإنسان صالحًا ثم يختم بشرّ، كما حدث للزبير. العبرة ليست بالبداية، بل بمن خُتم له بخير. من مات مواليًا ثابتًا، فقد كُتبت له الرحمة، وهذا من أعظم تجليات سبحان المنعم المفضل.
النتيجة
إنّ التأمّل في معنى سبحان المنعم المفضل يكشف أنّ فضل الله ليس كفضل المخلوقين، وأنّ إنعامه إذا كان رشدًا فهو خيرٌ خالصٌ لا يعقبه مكر. أمّا البشر، فقد يُظهرون الفضل ويُبطنون الرذيلة. الميزان الحقيقي هو ميزان السماء، لا مدح الناس. فمن اعتمد على الله، وثبت على ولايته، وخُتم له بخير، فقد دخل في ظلّ المنعم المفضل الذي إذا فضّل عبدًا فضّله أبدًا.
“للمزيد من مشاهدة دروس سیاحة التسبیح، يُرجى النقر هنا.”