سیاحة التسبیح؛ العطاء والمنع الإلهي
الحلقة السابعة والثلاثون:
حقيقة العطاء والمنع الإلهي والتنزيه الإلهي
أقولُ إنّ اللهَ سبحانه منزَّهٌ عن أن تكونَ الرغبةُ بغيره، لأنّ حقيقة الإيمان تقوم على أن يكون القلب متوجّهًا إليه وحده. إنّ الإنسان إذا تعلّق قلبُه بالمال أو بالناس أو بالسلطان فإنّه لم يفهم بعد معنى العطاء والمنع الإلهي. فالله سبحانه هو الذي بيده الرغبة والخوف والرَّهبة، وهو الذي يملك أن يعطي ويمنع.
إنّ كثيرًا من الناس يظنّ أنّ الرزق أو المكانة تأتي من البشر، فيرغب فيهم ويخافهم، بينما الحقيقة أنّ العطاء والمنع الإلهي هو الذي يحدّد مصير الإنسان. فمن عرف الله حقّ المعرفة لم يجعل قلبه معلّقًا بالمخلوقين، لأنّ المخلوق عاجز، أمّا الخالق فهو صاحب القدرة المطلقة. ولهذا نقول إنّ معرفة الله تُخرج الإنسان من التعلّق بالأسباب الظاهرية إلى التوكّل الحقيقي على الله سبحانه.
الفرق بين هيبة الخالق وخوف المخلوق
- الفرق الجوهري بين خوف الرب وخوف المربوب:
إنّي أقول إنّ من يخاف السلاطين أو السباع أو السيوف في المعركة لم يعرف الله حق المعرفة. فهناك فرق جوهري بين خوف المخلوق وخوف الخالق؛ لأن المربوب قد يخاف من أكثر من شخص في الوقت نفسه، أما الله سبحانه فإذا دخل خوف غيره إلى القلب انقطعت المعرفة والوصال. ولذلك فإن فهم العطاء والمنع الإلهي يبدأ من تنزيه القلب عن هيبة غير الله. - أثر الخوف من غير الله في انقطاع المعرفة:
إنّ الذي يجعل خوفه موزعًا بين الله وبين الناس لا يستطيع أن يدرك حقيقة التوحيد. فالله منزّه أن يكون مرغوبًا لمن يخاف غيره مثل خوفه منه. ولهذا فإنّ كثيرًا من الناس حُرموا من رحمة الله لأن رغبتهم لم تكن خالصة، فلم يدركوا سرّ العطاء والمنع الإلهي الذي يقوم على إخلاص القلب لله وحده.
الدعاء بين الحقيقة والوهم
- حقيقة الدعاء المقبول:
إنّ الله سبحانه منزّه عن أن يستجيب لمن لا يخلص في دعائه. فكثير من الناس يقول: أنا أدعو منذ سنوات، ولكن السؤال هو: من الذي تدعوه؟ هل تدعو الله حقًا أم تدعو صورة ذهنية صنعتها في خيالك؟ إنّ إدراك العطاء والمنع الإلهي يقتضي أن يكون الدعاء متوجّهًا إلى الإله الأحد بصدق وإخلاص. - دعاء الكافرين في ضلال:
لقد حسم القرآن الكريم هذه القضية بقوله تعالى: «وما دعاء الكافرين إلا في ضلال». فالدعاء الذي لا يقوم على المعرفة والإخلاص لا يصل إلى الله، بل يرتدّ إلى أوهام الإنسان. وهكذا يتجلّى العطاء والمنع الإلهي؛ إذ يكون العطاء للمخلصين، بينما يبقى غيرهم في حيرة وضلال.
موازين الرفعة والوضع عند الله
- الرفعة الإلهية المنزّهة:
إذا رفع الله عبدًا فإن هذه الرفعة تختلف تمامًا عن رفعة البشر. فالسلطان قد يرفع وزيرًا في مجلسه لمصلحة دنيوية، كما حدث في تاريخ الخلفاء مع بعض قادتهم. أما الرفعة التي يمنحها الله فهي رفعة منزّهة تتحقق بالتقوى والعبادة، وهي جزء من سنّة العطاء والمنع الإلهي في حياة الإنسان. - الوضع الحقيقي الذي لا رافع له:
وكذلك إذا وضع الله عبدًا استحقاقًا فلا يستطيع أحد أن يرفعه. فقد يبدو الإنسان رفيعًا في نظر الناس، لكنه في ميزان الله وضيع. إنّ الخزي والعذاب هما الوضع الحقيقي الذي لا مهرب منه، وهو مظهر من مظاهر العطاء والمنع الإلهي الذي يقوم على العدل والحكمة.
سرّ العطاء والمنع في التدبير الإلهي
- الفرق بين عطاء الله وعطاء البشر:
إنّ عطاء البشر غالبًا ما يكون ناقصًا أو زائلًا، بينما عطاء الله باقٍ ونافع في الدنيا والآخرة. وقد روي أنّ أحد الخلفاء أعطى مالًا كثيرًا لأحد الأشخاص، لكنه هلك قبل أن ينتفع به. أما عطاء الله فهو العطاء الحقيقي الذي يدخل ضمن نظام العطاء والمنع الإلهي الذي لا يشوبه نقص ولا عبث. - العطاء الإلهي في سيرة النبي:
تأمّلوا في رسول الله صلى الله عليه وآله؛ فقد أعطاه الله العصمة والعزة في قلب مكة التي كانت مركز الجاهلية. لقد مكّنه الله من القلوب من دون جيش ولا مال، وهذا مثال واضح على العطاء والمنع الإلهي الذي يتجاوز القوانين المادية.
تجلي القدرة الإلهية في المنع
- المنع الذي لا يعوّضه شيء:
إنّ في منع الله سرًا عظيمًا؛ فمن منعه الله من الارتواء لو شرب البحار كلها لبقي عطشانًا. ومن سُلبت منه النورانية الاجتماعية فلن ينال القبول ولو ملك الدنيا. وهكذا يظهر وجه آخر من وجوه العطاء والمنع الإلهي في حياة الإنسان. - القوة المعنوية في سيرة السيدة زينب:
انظروا إلى السيدة زينب عليها السلام؛ فقد كانت أسيرة بحسب الظاهر، لكن الله أعطاها قوة معنوية عظيمة. بكلمة واحدة منها سكنت الأصوات في الكوفة، وأصبحت رمزًا للثبات. إنّ هذا المثال يبيّن كيف يعمل نظام العطاء والمنع الإلهي خارج المقاييس المادية.
النتيجة
إنّ الله سبحانه هو المعطي والمانع، الرافع والواضع، ولا يمكن قياس أفعاله بأفعال البشر. إنّ فهم العطاء والمنع الإلهي يجعل الإنسان يوجّه قلبه إلى الله وحده، لأن الإعراض عنه يورث الحرمان، بينما التوجه إليه يفتح أبواب العطاء الذي لا ينقطع.
“للمزيد من مشاهدة دروس سیاحة التسبیح، يُرجى النقر هنا.”