محاضرات محرم الحرام؛ الحضور والتمهيد للإمام المهدي
الجلسة الرابعة:
الحضور في حياة المؤمن للإمام المهدي عليه السلام
إنّ الشكر فرع المعرفة، ولذلك لا بدّ للمؤمن أن يعرف قيمة الإمام المهدي عليه السلام ومقامه العظيم عند الله تعالى، وأن يلتفت إلى حضوره في حياته. فكلما ازدادت معرفة الإنسان بإمامه، ازداد تعلقه به، وأصبح حضوره حاضراً في فكره ودعائه وسلوكه. وقد أمرنا الله تعالى بالسير في الأرض والنظر في أحوال الأمم السابقة لاستخلاص العبر، لأن المعرفة الصحيحة تقود إلى اليقين، واليقين يقود إلى الثبات على طريق الحق.
وفي هذا الزمان الذي كثرت فيه الفتن والمعاصي، قد يغفل الإنسان عن أعظم نعمة إلهية، وهي وجود الحجة بين الناس. بينما تؤكد الروايات أن الإمام المهدي عليه السلام هو الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً. ومن هنا فإن معرفة مقامه ليست أمراً ثانوياً، بل هي أساس في بناء شخصية المؤمن وربطه بمشروع الهداية الإلهية. ولهذا فإن الحضور والتمهيد للإمام المهدي ليس قضية مستقبلية فحسب، بل هو منهج حياة يعيشه المؤمن في كل زمان.
الارتباط القلبي بالإمام المهدي عليه السلام
- حضور الإمام في الوعي:
إن المطلوب ليس مجرد معرفة اسم الإمام أو نسبه الشريف، بل أن يصل المؤمن إلى مرحلة يشعر فيها بحضور الإمام في وعيه وقلبه. فكلما استقر اليقين بمكانته، أصبح محور الاهتمام في الحياة، وقلّ التعلق بما سواه. وقد كان العلماء يذكرون أوصاف الإمام المهدي عليه السلام في المجالس، وأنه أشبه الناس برسول الله صلى الله عليه وآله خلقاً وخُلقاً، فإذا ذُكر بهذه الصفات تحركت القلوب نحوه، واشتاقت الأرواح إلى لقائه، حتى يهون كل ما دونه من متاع الدنيا. - الشوق إلى الإمام:
إنّ العلاقة الحقيقية بالإمام المهدي عليه السلام هي علاقة شوق وانتظار وعمل. فالمؤمن لا يجعل بينه وبين إمامه حجاباً من الغفلة أو الانشغال بالدنيا، بل يسعى دائماً إلى أن يكون قريباً منه بقلبه وعمله ودعائه. ولهذا كانت المجالس التي يُذكر فيها الإمام مجالس نورانية، يستشعر فيها المؤمن الهيبة والخشوع، لأن ذكر الإمام يحيي القلوب ويجدد العهد بالولاية والطاعة. فكلما ازداد الشوق، ازداد الحضور والتمهيد للإمام المهدي في حياة المؤمن، وأصبح أكثر استعداداً لنصرته.
التمهيد للظهور ومسؤولية المؤمن
- اجعلنا سبباً من أسباب الظهور:
من الأدعية العظيمة التي نتعلمها من مدرسة أهل البيت عليهم السلام قولنا: «اللهم اجعلنا سبباً من أسباب ظهور الإمام المهدي». فالمؤمن لا يكتفي بالدعاء، بل يعمل ليكون جزءاً من مشروع التمهيد للظهور. والتمهيد يبدأ بإصلاح النفس، والالتزام بأوامر الله تعالى، وخدمة الناس، ونشر الوعي، والثبات على ولاية محمد وآل محمد. فكل خطوة في طريق الإصلاح هي مساهمة في بناء المجتمع الذي يستقبل دولة العدل الإلهي. - معاقل المهدي عليه السلام:
وقد ورد في الدعاء: «اللهم اجعلني من معاقل المهدي»، أي من الثابتين على نهجه والمتمسكين بمشروعه. فزمن الغيبة يحتاج إلى رجال ونساء يملكون البصيرة والصبر، ولا تزعزعهم الشبهات ولا المغريات. فالمؤمن الحقيقي هو الذي يبقى ثابتاً على العهد، ويحفظ دينه، ويهيئ نفسه ليكون من أنصار الإمام إذا أذن الله تعالى بظهوره المبارك.
دروس الوفاء من كربلاء
- حبيب بن مظاهر نموذج النصرة:
- لقد قدّم حبيب بن مظاهر الأسدي نموذجاً خالداً في الوفاء للإمام الحسين عليه السلام، حين لبّى نداءه ولم يتأخر عن نصرته. وهذه الروحية هي التي ينبغي أن يحملها المؤمن في علاقته بالإمام المهدي عليه السلام. فالقرب من أهل البيت عليهم السلام لا يكون بالشعارات فقط، بل بالصدق والإخلاص والاستعداد للتضحية في سبيل الحق. وهذا هو الدرس العملي الذي يرسخ الحضور والتمهيد للإمام المهدي في نفوس المؤمنين.
- البكاء على الحسين والتمسك بالمشروع الإلهي:
- إن البكاء على الإمام الحسين عليه السلام مدرسة تربي الإنسان على الولاء والطاعة والثبات. ومن ثمار هذه المدرسة أن يبقى المؤمن مرتبطاً بقضية الإمام المهدي عليه السلام، مستعداً لنصرته، عاملاً من أجل ظهوره. فكما بقيت قضية الحسين عليه السلام حيّة رغم محاولات الطغاة طمسها، فإن قضية الإمام المهدي عليه السلام ستبقى حاضرة في قلوب المؤمنين حتى يتحقق الوعد الإلهي.
النتيجة
إنّ الحضور والتمهيد للإمام المهدي عليه السلام مسؤولية تقع على عاتق كل مؤمن. فالمطلوب أن يعيش الإنسان حضور الإمام في قلبه ووعيه، وأن يعمل في الوقت نفسه على التمهيد لظهوره من خلال إصلاح نفسه وخدمة دينه ومجتمعه. ومن خلال الاقتداء بأصحاب الإمام الحسين عليه السلام، والتمسك بالولاية والوفاء، يصبح المؤمن من السائرين في مشروع الإمام المنتظر، ومن الذين يرجون أن يكونوا بين يديه يوم الظهور المبارك.
“للمزيد من مشاهدة محاضرات محرم الحرام، يُرجى النقر هنا.”