سیاحة التسبیح؛ الهيمنة الإلهية والتقدير
الحلقة الحادية والعشرون:
الهيمنة الإلهية والتقدير في ضوء دعاء الإخلاص
أقفُ اليوم معكم، أيها الأحبة، وقفة تدبرٍ عند عبارةٍ جليلةٍ وردت في دعاء الإخلاص، لنستشعر معاً عمق الحقيقة القرآنية في قوله تعالى: «سبحان الله عما يشركون». إن الله سبحانه وتعالى منزهٌ في ذاته المقدسة وفي أفعاله الحكيمة عن أي شريكٍ يُذكر، فلا يشاركه أحدٌ في قرار، ولا يملك مخلوقٌ أن يتدخل في مشيئته النافذة.
إن الهيمنة الإلهية والتقدير هما المحركان الحقيقيان لكل ذرة في هذا الوجود؛ فالله هو المهيمن الأوحد على جميع الأمور، سواء كانت في عالم التشريع أو في عالم التقديرات الكونية. فلا تشرق الشمس بضوئها ولا ينزل الغيث بقطراته إلا بإرادته ومشيئته، وما كان لملكٍ أو سلطانٍ أن يقرر شيئاً يخالف ما قدّره الله، فكل الحوادث تقع تحت سلطان الله الواحد الأحد.
“لمشاهدة الحلقة 21 من الدروس سیاحة التسبیح علي يوتيوب اضغط هنا.”
تجليات الهيمنة الإلهية على العباد والظالمين
- حقيقة الحاكم والمحكوم في الوجود: إنني أرى بوضوح أن الحاكم الحقيقي والوحيد في هذا الكون هو الله جل جلاله، وكل ما سواه من خلقٍ هم محكومون تحت قبضته وسيطرته. فإذا سلّط الله ظالماً على الناس، فإن هذا الشقي إنما ينال جزاء سوء سريرته لاستبداده وتجبره، لكنه يظل دائماً وأبداً داخل دائرة الهيمنة الإلهية والتقدير ولن يخرج عنها طرفة عين.
- سقوط الجبابرة في سلسلة التقدير: خذوا مثالاً من التاريخ في شمر بن ذي الجوشن وسنان بن أنس؛ فقد وضعوا أنفسهم في مذبح الظلم واستخدموا القوة التي وهبهم الله إياها في التعدي على الإمام الحسين عليه السلام. لقد ظنوا واهمين أنهم أصحاب قرار مستقل، لكن الحقيقة أنهم أدخلوا أنفسهم في سلسلة التقدير الإلهي ليحق عليهم العذاب، بينما يرتفع السعيد بفضل الله وحده.
- فعل الإنسان الصادق في التقدير الإلهي: أود أن أوضح لكم أن أفعالنا، حتى البسيطة منها كالنصح بين الناس أو التوسط في خير، هي جزء لا يتجزأ من نظام الهيمنة الإلهية والتقدير. فالإنسان الصادق يبارك الله في سعيه ويجعل عمله سبباً في نفاذ مشيئته بالخير، فالسعيد والشقي كلاهما يتحركان ضمن هذا التقدير المحكم، وكل شيء محسوب بدقة في كتاب الله ومنزل من عنده.
انكسار السلطان البشري أمام القدر النافذ
- عجز الفراعنة أمام السلطان الحقيقي: لا يغرنكم سلطان المتجبرين وتظاهرهم بالقوة؛ ففرعون كان يصرخ بملء فيه «دعوني أقتل موسى»، لكنه في الحقيقة كان عاجزاً مردوداً عن مراده. إن السلطان الحقيقي ليس بيد البشر، وكل من يرى نفسه سلطاناً متحكماً هو في الحقيقة مقهور تحت الهيمنة الإلهية والتقدير، ومردودٌ إلى إرادة الله التي لا تُغلب ولا تُدفع بأي قوة بشرية.
- يقين السيدة زينب عليها السلام: انظروا إلى موقف السيدة زينب عليها السلام، تلك المخدّرة الطاهرة، حين واجهت يزيد بلسان اليقين قائلة: «ليس لك ذلك». لقد كان يزيد يتباهى بقدرته على سبي بنات الرسالة، لكن إرادة الله كانت السور المنيع الذي يحميهن. لقد أثبت التاريخ أن يزيد لم يملك من أمره شيئاً أمام تقدير الله النافذ، لأن الهيمنة الإلهية والتقدير فوق كل سلطان وجبروت.
- تفرد المصور بجمال الخلق: إن الله سبحانه هو المصور المتفرد الذي يصور الإنسان في الأرحام وفق حكمته التي لا يطلع عليها أحد. هذه القدرة التصويرية هي تجلٍ من تجليات الهيمنة الإلهية والتقدير؛ فكل إبداع بشري هو في الأصل مقدر في اللوح المحفوظ مسبقاً، حتى لو حاول الأعداء طمس معالم الحق، فإن الله يحفظ ما قدّره بعلمه المحيط الذي أطلع عليه ملائكته المقربين.
تنزيه الذات الإلهية عن النقائص والشرور
- نفي الجبر عن المعاصي والفحشاء: قد يخطئ البعض في فهم مفهوم الهيمنة الإلهية والتقدير فيظن أن الله يجبر العباد على فعل المعاصي والظلم. معاذ الله! إن الله منزه عن أن يأمر بالفحشاء، فقراراته تقوم على الحق والعدل، وهو سبحانه لا يرضى لعباده الكفر ولا يرضى لهم الظلم، بل التقدير الإلهي هو ميزان العدل المطلق في الكون.
- سلامة الخالق من أمراض النفس: إن الله سبحانه وتعالى منزهٌ عن كل الآفات النفسية من حسد وحقد وعجب؛ لأنه الكامل في ذاته الذي لا يرى نقصاً ليعوضه بالاعتزاز الزائف. كل ما في الوجود يدرك عظمة العزيز الحكيم ويسبح له، والسماء والأرض خاضعتان لعزته، فكل عزةٍ أو رفعٍ يراها العبد إنما هي مستمدة من الهيمنة الإلهية والتقدير وحده لا شريك له.
النتيجة
إن المحصلة التي يجب أن نستقر عليها هي أن العزة الحقيقية والرفع والتمكين لا تأتي إلا من الله وحده. حتى في أحلك الظروف من ابتلاءات وسجون ومذابح، يبقى الله حاضراً مع عباده الصالحين، يعوضهم ويرفع ذكرهم. فالشهداء هم الأعزاء الحقيقيون بفضل الهيمنة الإلهية والتقدير، فمهما تمزقت الأجساد، يبقى الشرف الإلهي باقياً وخالداً بخلود مشيئته سبحانه والحمد لله رب العالمين.
“للمزيد من مشاهدة دروس سیاحة التسبیح، يُرجى النقر هنا.”