سیاحة التسبیح؛ التوحيد وتجليات الله
الحلقة السادسة والعشرون:
عظمة الله القديم وكينونته التي لا لشيء
لا إله إلا الله، القديم بلا غاية، الذي هو غاية الأشياء في قدمها. إننا حين نتحدث اليوم عن مفهوم التوحيد وتجليات الله، لا بد أن نقف طويلاً عند حقيقة “القدم”؛ ففي عالمنا المادي المحدود، نحن نقيس الأشياء بالزمن الذي يطويها؛ فمثلاً، الغاية من قدم الفاكهة على شجرتها هي وصولنا إلى مرحلة النضج، والغاية من سؤالنا عن قدم الرجل هي استكشاف تجاربه في الحياة. هكذا تطول أعمار الأشياء لتؤدي غرضاً أو تبلغ أجلاً، أما في مقام الذات الإلهية، فإن كلمة “القديم” ترتفع عن حدود المادة وجريان الزمان، لأن الله تعالى هو الذي خلق الزمان، والخالق لا يمكن أن يحده مخلوقه أو يسري عليه ما أجراه على خلقه.
إن الله تعالى هو القديم الذي لم يخلُ منه زمان، وقدمه هذا لا يحمل رسالة نضج أو تحصيل كمال كما هو حالنا، بل هو سبحانه “كائن لا لشيء”، بينما كل ما سواه “كائن لشيء” وله غاية يطلبها. في هذا السياق العظيم، سأحدثكم عن التوحيد وتجليات الله التي نلمسها في الأيام والليالي؛ فهي لا تمر على الله ليتغير، بل تمر علينا نحن لتظهر لنا سرائر أنفسنا أو لنضج كمالاتنا. إن قدم الله يعني ثباته المطلق، وهذا الثبات هو الذي يمنح الوجود معناه، ويجعلنا ندرك أن كل ذرة في هذا الكون، من الجبال والأنهار، هي قوة خُلقت لخدمة الإنسان، لكي يتجلى الإنسان بدوره في معرفة خالقه، وينتظر لقاء الله وراء بوابة الموت، حيث تظهر التجليات التي تملأ النفوس وتفرح القلوب بيقين لا يزول.
“لمشاهدة الحلقة 26 من الدروس سیاحة التسبیح علي يوتيوب اضغط هنا.”
حكمة الطول والقدم في حجج الله (الإمام المهدي والخضر)
-
الإعجاز في بقاء السنن:
إن طول عمر الإمام المهدي (عليه السلام) يمثل إحدى أعظم معاجز التوحيد وتجليات الله في هذا العصر. نحن نعيش في زمن التكنولوجيا والتبدلات المتسارعة التي استخف بها البعض، لكننا نجد رجلاً متمسكاً بالسنن الإلهية، يحيى بها ولا تؤثر فيه هذه الحضارة الزائفة. هذا الثبات هو غاية في حد ذاتها، إعجاز الله فيه يكمن في أن الأيام لم تزد ثوابته إلا رسوخاً، فهو يمثل “شمس لا تغيب” تحفظ للدين هيبته وسننه الأصلية بعيداً عن تقلبات العصور. -
مؤانسة الوحدة الغائبة:
وبالمثل، نجد نبي الله الخضر؛ فما الغاية من طول عمره الذي يمتد عبر القرون؟ إنها غاية نورانية تخدم نظام التوحيد وتجليات الله، حيث جعل الله طول عمر الخضر ليؤنس الإمام المهدي في وحدته. هكذا نرى أن كل ما هو طويل ومضيء في تاريخ الحجج، إنما يحمل غاية إلهية؛ فالأيام والليالي في أعمارهم ليست مجرد أرقام، بل هي مساحات لإظهار السرائر وتحقيق وعد الله في الأرض، وهو ما يدعونا للتأمل في كيف يحفظ الله أولياءه بقوته التي لا تقهر.
الأسئلة الأربعة والبراءة من الكيفيات المادية
-
الوجود والغاية الذاتية:
في مسيرتنا لفهم التوحيد وتجليات الله، نطرح أسئلة أربعة عن أي موجود: “هل هو موجود؟”، والجواب أن الله موجود بشهادة الشاهدين والعارفين الذين يشهدون أنه أحد. ثم نسأل “لِمَ هو؟”، وهنا نصطدم بالحقيقة الكبرى؛ فالله لا لغاية هو موجود، ولا يجري عليه زمان حتى نسأل عن سبب جريانه. نحن نوجد لغاية، أما هو فكينونته نابعة من ذاته القديمة التي لم تسبق بحدث ولا تنتهي بأمد، وهذا هو الفرق الجوهري بين الواجب والممكن. -
التنزيه عن الكيف والأجل:
ثم يأتي السؤال “كيف هو؟” ليسأل عن الصفات المادية كالحداثة أو الصلابة أو النعومة. وهنا أخبركم أن الله بريء من هذه الأسئلة؛ فلا جواب عن “كيف” لأنه خالق الكيف. وكذلك السؤال “متى ينتهي؟”؛ فكل شيء ينتهي في أجل ومدة، إلا الله تعالى، فلا ينتهي إلى أجل ولا يحده زمان. إن إدراكنا لهذه الحقيقة هو قمة التوحيد وتجليات الله، حيث نعترف أننا وصلنا خبر قدمه لنعرف أنه لا يخلو منه مكان ولا زمان، ومع ذلك يظل هو المنزه عن كل نقص يعتري المخلوقين.
التوحيد الخالص ونفي الضد والند والمثل
-
انعدام الضد والفساد:
الله تعالى هو الإله الذي لا ضد له ولا ند ولا مثل. في عالمنا المادي، كل شيء له ضد يضاده؛ فالماء يكسر أثر النار، والنور تطرده الظلمة. أما الله، فلا يوجد شيء يكسر أثر رأيه أو يهدم أثر فعله. في التوحيد وتجليات الله، نرى أن الأثر الإلهي موجود ويتجلى دائماً، ولا يوجد فساد يقدر على محقه. حتى في حلبات الصراع، قد يغلب ضد ضداً آخر في حيزه، أما الله فلا يغلبه ضيق ولا تهدم آثاره أي قوة في الوجود، فهو المهيمن الذي يضع كل شيء في حيزه دون أن يناله نقص. -
نفي الند ومحاولات نقض الإله:
الند هو ما يماثل الشيء وينازعه؛ ونحن أندادنا كثيرة، فالموت ند يهدم آثارنا، والسفاهة والجهالة من السفيه والجاهل قد تسكت العالم إذا كثر كلام الجاهلين. أما الله، فلا ند له من نوع النار ولا من نوع النور. حتى إبليس، أشقى الأشقياء، عرف الله وتجلى الله في قلبه حين قال “فبعزتك”. إن الأنداد الموهومين الذين يظنون أنهم يطفئون نور الله بأفواههم أو يمنعون تجليات حنانه وقوانينه في المجتمعات، هم في الحقيقة واهمون. إنهم قد يبنون قساوة في حلبات المعارك أو السجون، لكنهم لا يقدرون على كسر شوكة الله، كما رأينا في سجن موسى بن جعفر، حيث كان السجن مكاناً لذروة الإنس بالله، محطماً بذلك قرار البشر في نفي الأنيس.
تجلي الإرادة الإلهية في خيبر وكربلاء
-
قوة علي التي لا تند:
تتجلى عظمة التوحيد وتجليات الله في أوليائه بطريقة تكسر القوانين المادية. انظروا إلى علي بن أبي طالب في معركة خيبر؛ ذهب وهو مريض، أرمد العين، والوجع في العين يهد قوى الإنسان ويجعل قواه تنهار. ولكن، لأن المرض لا يمكن أن يكون نداً لله ولإرادته في نصرة عبده، كان علي أقوى الأقوياء وقلع باب خيبر. هذه القوة لم تكن جسدية فحسب، بل كانت تجلياً للقدرة الإلهية التي لا يعجزها مرض ولا يهزمها عدو، حيث تجلى الله بقوته في يد وليه ليعلن انتصار الحق. -
الحسين والانتصار الغالب غير المغلوب:
وفي كربلاء، تجلى الله بطريقة عجيبة. الأعداء ظنوا أنهم غالبون وقاهرون، لكن الله الذي هو غالب لا يُغلب، كان يدير المشهد وراء الستار. إن الله لم يتجلَّ بالنصر العسكري الظاهري يوم الحسين لحكمة هو يعلمها، لكنه لم يغلب على سلطانه. انظروا اليوم، بعد ألف عام، علم الحسين الأحمر يرفرف فوق قبته، وقيم الحسين تحكم القلوب، بينما أعداؤه تلاشوا في مزابل التاريخ. إن يوم المظلوم على الظالم أشد دائماً، وهذا هو الحق الإلهي الذي يثبت أن برنامج الله لا يخرب ولا يتأثر بزعل البشر أو تظافر الأعداء، بل “نملي لهم ليزدادوا إثماً” ثم يكون الفوز للتقوى.
النتيجة
إن خلاصة هذا البحث في التوحيد وتجليات الله تضعنا أمام إله عجيب في فعله، لا مثل له في ذاته ولا في صفاته. هو الإله الذي لا يُقهر، ولا يُغلب، ولا يتأثر ببرامج أعدائه مهما بلغت قوتهم. إن إدراكنا بأن الله قديم بلا غاية، وأنه مهيمن على كل الأنداد، يجعلنا نعزم على التوكل عليه بكل طمأنينة. نحن لا نعبد إلهاً تكسره الظروف أو تضعفه الأزمات، بل نعبد الغالب الذي ييسر العباد والبلاد وفق سننه التي لا تبديل لها. فالحمد لله الذي تجلى لنا بعظمته، وجعلنا من المتمسكين بحبله الذي لا ينقطع.
“للمزيد من مشاهدة دروس سیاحة التسبیح، يُرجى النقر هنا.”