شمس لاتغيب؛ خروج القائم (عج)
الحلقة السادسة:
خروج القائم: الآيات المفسرة وشدّة العذاب
خروج القائم هو محور التأويل في آيات الذكر الحكيم، حيث وصلنا في جلساتنا إلى ذكر الآيات المأولة بقيام الإمام المهدي عليه السلام. إنَّ تأخير العذاب إلى أمة معدودة، كما جاء في سورة هود -الآية ٨- هو من سنن الله في تدبير خلقه، إذ قال تعالى: “وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَىٰ أُمَّةٍ مَّعْدُودَةٍ لَّيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ”. هذا التأويل يكشف أنَّ الله يمهل المنكرين والمستهزئين إلى خروج القائم عجل الله فرجه الشريف، ليتم بعد ذلك ردهم من موتهم وتعذيبهم، تحقيقاً لوعده: “أَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ”.
إنَّ النص القرآني يتحدث بكل حزم وصلابة عن مصير المنكرين لقيام القائم وإفشاء العدل، مُؤكداً أنَّ العذاب سيطالهم حتى لو ماتوا، وهو دلالة على شدة العقاب الإلهي على الكفر والاستكبار. وقد أكد الإمام علي عليه السلام، كما نقل عنه أصحابه، أنَّ الأمة المعدودة المقصودة في الآية الكريمة، هم نخبة مختارة من أصحاب القائم، الذين يبلغ عددهم الثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً، يجتمعون لإقامة الحق قبل الظهور المبارك.
معاني “الأمة” ورمزية خروج القائم
يشغل لفظ “الأمة” في كتاب الله حيزاً واسعاً بتعدد معانيه، وهو ما يُعمّق فهمنا لرمزية خروج القائم.
- الأمة بمعنى الجماعة:
قد يأتي اللفظ للدلالة على جماعة من الناس، كقوله تعالى: “وَوَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ النَّاسِ يَسْقُونَ”، وهذا يشمل أصحاب القائم الذين يجتمعون كجماعة واحدة.
- الأمة بمعنى الوقت:
يُفسر بعض المتأولين قوله تعالى: “وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَاذْكُرْ بَعْدَ أُمَّةٍ” بأنه يعني بعد وقت، وهو المعنى الذي يسري على الآية “إِلَىٰ أُمَّةٍ مَّعْدُودَةٍ”، أي إلى وقت معدود معلوم، وهو وقت خروج القائم (عج).
- الأمة بمعنى أيام الله:
في سورة إبراهيم، الآية ٥، أشار تعالى: “وَذَكِّرْهُم بِأَيَّامِ اللَّهِ”، وقد فُسِّرَت هذه الأيام بأنها ثلاثة: يوم خروج القائم صلوات الله عليه، ويوم الموت، ويوم القيامة. هذه الأيام الثلاثة هي محطات لتجلي الإله برحمته وعدله.
خروج القائم: تجلي الغضب والرحمة الإلهية
خروج القائم ليس مجرد حدث تاريخي، بل هو يوم تتجلى فيه هيئة الله وقوته المطلقة، لدرجة أنه لم يُطلق يوم الله بالصيغة ذاتها على أيام الأنبياء السابقين، كأيام موسى وإبراهيم وهود.
- القوة الإلهية القاهرة:
إنه يوم لا يستطيع فيه أحد أن يتنفس أو يتخذ موقفاً معانداً، فسيف القائم يُصاحبه الخوف والرعب الذي يجلبه التجلي الإلهي على الأشقياء، ولا تُغني فيه الخطط ولا القنابل.
- الرحمة والعزّة للموالين:
في مقابل الغضب على المعاندين، يتجلى خروج القائم بـرحمة الله الكبرى وعزّته للمؤمنين. فالمهديّ يحذو جده محمداً صلى الله عليه وآله وسلم في الخلق والخُلق، وهو الأمان المطلق بعد الخوف، والعزّ والشوكة للموالين الصادقين، وهو ما نفتقده اليوم بسبب التيه وغياب حامينا.
- الكفر الموجب لجهنم:
إنَّ إنكار فعل الإمام المهديّ أو استنكاره عندما يُشهر سيف النقمة، هو في الحقيقة استنكار على الله ذاته، وهو نوع من الكفر الذي يسوق صاحبه إلى نار جهنم، لأن فعله بأمر الله. يجب الثبات على المواقف وعدم الحنان على من ناصب أهل البيت العداء، كزوجة النبي التي آذت النبي وقتلت الإمام الحسن، فالحسن سلام الله عليه لا يزال غريباً ومظلوماً بفعالهم.
الوعد الأخير وتطهير الأرض
تأويل الآيات يشير إلى أنَّ الوعد الأخير في سورة الإسراء: “فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا” هو إشارة صريحة إلى وقت خروج القائم وأصحابه، الذين يأتون لتطهير الأرض.
- تطهير الأرض من الأشقياء:
المهديّ سلام الله عليه جاء ليطهر الأرض من الوسخ والأشرار، وموت الأشقياء هو أنفع ما ينفع الأرض، لأن السوء الأعظم هو وجود الشرير يمشي عليها.
- التحذير من فتنة السفياني:
يجب على المؤمنين أن يحذروا الانخداع بدعوات الرفاهية الزائفة التي قد تأتي عبر السفياني أو عبر أطماع الغربيين، فمن يعش عمره على أمل هذه الرفاهية، يكون قد عاش بعقلية تصفق للسفياني وتؤخر الظهور، بدلاً من أن يعيش على أمل وولاية المهديّ.
النتيجة
إنَّ خروج القائم هو يوم الفصل الشامل، تجلياً للحق المطلق والعدل الإلهي، حيث تظهر رحمة الله الواسعة للموالين، والنقمة والعذاب الشديد للمنكرين. إنّه يوم العزّة ورفعة الرأس لأولياء الله وتطهير الأرض من كل شر، حيث يتحقق الوعد الإلهي: “عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يَرْحَمَكُمْ”. على المؤمنين الثبات على ولاية أمير المؤمنين واليقظة من غفلة العصر.
“للمزيد من مشاهدة دروس شمس لا تغيب، يُرجى النقر هنا.”