سیاحة التسبیح؛ توحيد الله في الإسلام
الحلقة الخامسة والخمسون:
توحيد الله في الإسلام ومعنى الفرد الوتر
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله الطاهرين، الذين دلّونا على معرفة الله سبحانه وتعالى، وبيّنوا لنا حقيقة التوحيد الخالص. ومن أعظم ما نتلوه في شهر رمضان المبارك دعاء الإخلاص الذي يعلّمنا أن نقول: «لا إله إلا الله الواحد الأحد، لا إله إلا الله الفرد الوتر». وهذه الكلمات ليست مجرد ألفاظ تُردد، وإنما هي عقيدةٌ راسخة تبني قلب المؤمن، وتجعله يعرف عظمة خالقه، ويزداد يقيناً بأن الله سبحانه هو المتفرد بالكمال المطلق.
إنني أؤكد دائماً أن توحيد الله في الإسلام ليس مجرد الاعتراف بوجود الخالق، بل هو الإيمان بأنه سبحانه الواحد، الأحد، الفرد، الوتر، الذي لا شريك له في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله. فالله عز وجل كان قبل الخلق، وهو اليوم كما كان، لا يحتاج إلى معين، ولا إلى شفيع، ولا إلى من يكمل له أمراً، لأن كماله ذاتي، وغناه مطلق، وقدرته لا يحدها شيء.
الفرد الوتر أساس معرفة الله تعالى
- الله سبحانه هو الفرد الوتر:
حين نقول إن الله الفرد الوتر، فإننا نعلن أن الله وحده هو الكامل الذي لا يحتاج إلى غيره في شيء. فهو سبحانه خالق السماوات والأرض من غير معين، ومدبر الكون من غير شريك، ورازق الخلائق جميعاً من غير واسطة تُكمل قدرته. إن كل ما في الوجود محتاج إليه، بينما هو غني عن العالمين، ولذلك فإن توحيد الله في الإسلام يبدأ من الإقرار بأن الله وحده هو الذي يملك الكمال المطلق. ولهذا أقول: إن الإنسان إذا عرف حقيقة الفرد الوتر، لم يلتفت إلى مظاهر القوة الزائلة عند الناس، ولم يغتر بالمال أو السلطان أو العلم، لأنه يعلم أن كل ذلك فضلٌ من الله، وأن المخلوق مهما بلغ فإنه يبقى محتاجاً إلى ربه في كل لحظة. - المخلوق يحتاج إلى الشفع والكمال:
أما نحن، فإن حياتنا كلها قائمة على الحاجة. نحتاج إلى الطعام لنعيش، وإلى الماء لنبقى، وإلى العلم لنهتدي، وإلى المشورة لنحسن القرار، وإلى الطبيب إذا مرضنا، وإلى المؤمنين ليتعاونوا معنا على الخير. وهذه الحاجة دليل على أننا لسنا أفراداً أوتاراً، وإنما نحن عبيد لله، لا يكتمل أمرنا إلا بما ييسره الله لنا من أسباب. ولهذا فإن توحيد الله في الإسلام يربي المؤمن على التواضع، فلا يدّعي الكمال لنفسه، ولا يستغني عن النصيحة، ولا يرفض المشورة، لأن الاستغناء المطلق صفة لله وحده، أما العبد فكلما ازداد علماً ازداد شعوراً بحاجته إلى الله تعالى.
الوتر الموتور وعلاقته بـ توحيد الله في الإسلام
- الإمام الحسين هو الوتر الموتور:
لقد ورد في زيارة عاشوراء وغيرها من النصوص المأثورة وصف الإمام الحسين (عليه السلام) بأنه الوتر الموتور، وهذه العبارة تحمل معاني عظيمة ينبغي للمؤمن أن يتأمل فيها. فالوتر هنا لا يعني ما يختص بالله سبحانه، وإنما يعني الإنسان الذي سُلِبت منه حقوقه، وقُطع عن أهله وأنصاره، وظُلِم في نفسه وأهل بيته، حتى استشهد عطشاناً مظلوماً في كربلاء. ومن هنا نفهم أن الفرق كبير بين الفرد الوتر الذي هو صفةٌ لله تعالى وحده، وبين الوتر الموتور الذي يعبّر عن أعظم مظلومية شهدها التاريخ. ولذلك فإن معرفة هذا الفرق تعمّق توحيد الله في الإسلام، لأن المؤمن يدرك أن الله وحده هو الكامل الذي لا يحتاج إلى أحد، أما الإنسان فمهما بلغ فإنه يبقى محتاجاً إلى ربه، وقد يُبتلى بسلب حقوقه كما ابتُلي سيد الشهداء (عليه السلام). - لا تجعلوا أحداً في منزلة الفرد الوتر:
إن من أخطر ما يقع فيه الإنسان أن يرفع مخلوقاً إلى منزلة لا تليق إلا بالله سبحانه. فقد رأينا عبر التاريخ من ادعى الاستغناء، ومن ظن أنه لا يحتاج إلى أحد، ومن تكبر بسلطانه أو ماله أو علمه، حتى صار يتصرف وكأنه لا يخطئ ولا يحتاج إلى نصيحة. أما مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) فقد علمتنا أن الأنبياء والأوصياء أنفسهم كانوا يعيشون قمة العبودية لله تعالى، ويظهرون افتقارهم إليه في كل دعاء وموقف. ولهذا فإن توحيد الله في الإسلام يقتضي أن نعتقد بأن كل مخلوق محتاج، وأن الفرد الوتر الحقيقي هو الله وحده، لا شريك له ولا نظير.
التواضع والاستشارة من آثار توحيد الله
- المؤمن لا يستغني عن النصيحة:
إذا عرف الإنسان أن الكمال لله وحده، فإنه لا يتكبر على الناس، ولا يظن أنه غني عن آرائهم ومشورتهم. فالأنبياء كانوا يشاورون، والأئمة كانوا يربّون أصحابهم على التفكير والتعاون، لأن الاستشارة ليست نقصاً، بل هي دليل على الحكمة وحسن التدبير. ولهذا ينبغي للمؤمن أن يجعل توحيد الله في الإسلام منهجاً في حياته، فيتواضع للحق، ويقبل النصيحة، ويستفيد من أهل الخبرة، وهو يعلم أن كل توفيق إنما هو من الله سبحانه. - الإقرار العملي بوحدانية الله:
إن التوحيد ليس كلمةً تُقال باللسان فقط، وإنما هو سلوك يظهر في حياة الإنسان. فمن عرف أن الله هو الواحد الأحد، الفرد الوتر، أخلص له العبادة، ولم يتعلق قلبه إلا به، ولم يطلب العزة إلا منه، ولم يجعل المال أو المنصب أو القوة سبباً للغرور. وحين يعيش المؤمن هذا المعنى، يصبح أكثر ثقةً بالله، وأشد توكلاً عليه، وأكثر طمأنينةً في مواجهة الابتلاءات، لأنه يعلم أن الأمر كله بيد الله، وأنه سبحانه وحده المستحق للعبادة والخضوع والمحبة.
النتيجة
إن توحيد الله في الإسلام هو أساس العقيدة، وروح الإيمان، والطريق الذي يقود الإنسان إلى معرفة ربه معرفةً صحيحة. فالله سبحانه هو الواحد، الأحد، الفرد، الوتر، الذي لا يحتاج إلى شريك، ولا إلى معين، ولا إلى مكمّل، بينما جميع الخلق فقراء إليه في وجودهم وبقائهم ورزقهم وهدايتهم.
ومن خلال التأمل في معنى الفرد الوتر، ومعرفة منزلة الإمام الحسين (عليه السلام) بوصفه الوتر الموتور، نزداد يقيناً بأن الكمال المطلق لله وحده، وأن أعظم ما يزين المؤمن هو التواضع، والافتقار إلى الله، وحسن التوكل عليه، والابتعاد عن الكبر والغرور. فكلما ترسخت معاني توحيد الله في الإسلام في القلب، ازداد الإنسان إخلاصاً في عبادته، وثباتاً في عقيدته، واتباعاً لنهج النبي وآله الطاهرين (عليهم السلام).
“للمزيد من مشاهدة دروس سیاحة التسبیح، يُرجى النقر هنا.”