تجليات التوحيد الأفعالي في مذهب أهل البيت وبيان قدرة الله باعتباره الخالق الوحيد لكل مقدّرات الوجود وهو خالق الخير والشر بحكمته وبالغ صنعه.

سیاحة التسبیح؛ الله خالق الخير والشر؛ الحلقة 12

أحدث مقاطع الفيديو

سیاحة التسبیح؛ الله خالق الخير والشر

الحلقة الثانية عشرة:

عقيدة التوحيد الشاملة في مذهب أهل البيت

أبدأ حديثي بكلمة الإخلاص العظيمة: “لا إله إلا الله”، وهي القاعدة الصلبة والأساس المتين الذي تقوم عليه عقيدتنا نحن الشيعة في هذا الوجود. نحن نمتاز عن باقي المذاهب والأديان برؤية توحيدية شاملة وعميقة، مفادها أن الله واحد في ذاته، وواحد في أفعاله، فهو سبحانه خالق الخير والشر معاً بتقديره وحكمته، ولا مؤثر في الوجود سواه.

إن حقيقة التوحيد عندنا تعني أنه لا يوجد في هذا الكون الفسيح أي تدبير، سواء كان مما تسر به الأنفس أو مما تضيق به الصدور، إلا وهو صادر عن مشيئته وخلقه. لذا، فإن قولنا “لا إله إلا الله” يقتضي الإيمان الجازم بأنه لا رب، ولا مقدّر، ولا خالق للخير والشر إلا الله الأحد الصمد، الذي بيده ملكوت كل شيء.

 

تفنيد شبهات الفلاسفة في نفي خلق الشر

  • خطأ القياس بين الخالق والمخلوق:
    لقد وقع الكثير من الفلاسفة وأهل الكلام في منزلق خطير حين قاسوا الله بأنفسهم وقالوا: “لا يمكن أن يخلق الله الشر”، وهذا قياس باطل؛ لأن المخلوق إذا فعل شراً تتغير روحه ويقسو قلبه، أما خالق الخير والشر فهو ثابت لا يتغير ولا يلحقه وصف من أفعاله.

  • حقيقة الذات الإلهية المتعالية:
    الله سبحانه لا يلحقه الاسم ولا الوصف كما يلحقنا نحن البشر، فهو ليس مثلنا يتأثر بما يصدر عنه. إن توهم تأثر الخالق بخلقه هو الذي دفع البعض لإنكار أن الله خالق الخير والشر، غافلين عن أن الذات الإلهية منزهة عن الانفعال والتغيير.

  • خلق جهنم كدليل قطعي:
    نسأل الذين ينكرون هذه الحقيقة: أليست جهنم شراً محضاً؟ فمن الذي أوجدها إن لم يكن الله؟ إن وجود النار بحد ذاته خيرٌ في نظام الحكمة، لكنه شرٌ في حق الأشقياء، وهذا يؤكد أن الله هو وحده خالق الخير والشر.

 

تجليات القدر وتدبير سكان السماوات

  • دور مدبرات الأمر بإذن الله:
    عندما نقرأ “أشرّ أُريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشداً”، ندرك أن الموت والمرض والجوع هي أفعال سكان السماوات الذين لا يتحركون إلا بأمر خالق الخير والشر، فكل ما نسميه نحن “شراً” هو في الحقيقة قدرٌ إلهي نازل بإذنه.

  • وحدانية الرب في الإحيـاء والإماتة:
    إن القول بأن الشيطان هو إله الشر هو محض كذب وافتراء، فالرب واحد والسيد واحد والمميت المحيي واحد. الله هو الذي يسلط البلاء والضراء، وهو وحده خالق الخير والشر الذي يدبر شؤون خلقه كيفما يشاء بلا شريك.

  • مفهوم البلاء ومصارع السوء:
    ما يصيب الإنسان من فقد للأحبة أو ضياع للمال هو من تقدير الواحد الأحد. سكان السماء يريدون بنا ما قدره الله، سواء سميناه بلاءً أو شراً، فالمصدر واحد وهو الله الذي لا شريك له في خلقه وأمره.

 

فلسفة خلق جهنم وأثر الأفعال على العباد

  • إنكار الفلاسفة لخلق جهنم:
    زعم بعض الفلاسفة أن جهنم هي مجرد أثر لأعمال البشر وليست خلقاً مستقلاً، لكن الحقيقة هي أن الله خلق جهنم قبل الأعمال بسابق علمه، فهو خالق الخير والشر والجنة والنار، وخلقه لها لا ينقص من سبوحه وجلاله شيئاً.

  • الجدال وأثره على رقة القلب:
    ذكرت قصة مؤمن الطاق مع الإمام الصادق (ع) لنبين أن الجدال قد يقسي قلب المخلوق ويسلب منه الدمعة، بينما الله إذا جادل إبليس لا يقسو. الله هو خالق الخير والشر ولا تتأثر صفاته القدسية بأفعال عباده أو مجادلتهم.

  • سيف النقمة ورياضة الأولياء:
    المؤمن قد يكون “شراً” على أعداء الله بسيفه، كما كان علي بن أبي طالب (ع) سيف نقمة على الكفار وبكاءً في المحراب. علي (ع) يوقع الشر بأعداء الله بأمر خالق الخير والشر، ومع ذلك يظل قلبه مجمعاً للرحمة والرقة.

 

عوض الله الجميل وتحول الأسماء

  • حقيقة الشر في ميزان الآخرة:
    يقول أمير المؤمنين (ع): “ما شرّ بشر بعده الجنة”، فالبلاء والفقر والمرض هي “شرور” دنيوية تنتهي بعوض جميل. الله خالق الخير والشر يجعل من هذا الابتلاء جسراً للقرب والروح وسلامة اليقين.

  • حزن آل محمد وخلود الحسين:
    إن ما أصاب الحسين (ع) من فجائع هو أشر ساعات الدنيا، وحزن الزهراء (ع) هو شر أصيبت به، لكن عوض الله وجنان الله جعلت من هذا الفعل “خير صنع الله” وخلوداً لا ينتهي لسيد الشهداء.

 

النتيجة

إن جوهر عقيدتنا يتلخص في التسليم المطلق بأن الله وحده هو خالق الخير والشر، وهو الرحيم الودود الذي لا يخرجه خلقه لجهنم عن شأنه وجلاله. إن كل ما يقدّره الله من بلاء في الدنيا هو في باطنه عطاء جميل، فالمؤمن الحقيقي يرى في كل قدر إلهي حكمة بالغة، مدركاً أن “لا إله إلا الله” تعني التوحيد في الخلق والتدبير، وأن كل شر يعقبه رضوان الله هو خير مطلق.

“للمزيد من مشاهدة دروس سیاحة التسبیح، يُرجى النقر هنا.”

 

بدون دیدگاه