محاضرات محرم الحرام؛ هتوف الشيطان
اليوم الثالث عشر من محرم الحرام:
هتوف الشيطان وخطر الانحراف عن ولاية أهل البيت ع
لقد بيّن الإمام الحسين عليه السلام في كلماته الخالدة أن أخطر ما يواجه المؤمن في طريق الهداية ليس العدو الظاهر فقط، بل هتوف الشيطان التي تتسلل إلى القلوب فتغيّر المواقف وتُضعف البصيرة. ولذلك قال عليه السلام: «وأحذّركم الإصغاء إلى هتوف الشيطان بكم، فإنه لكم عدو مبين»، ليؤكد أن الانحراف يبدأ عندما يمنح الإنسان قلبه للباطل قبل أن يتحول إلى عمل وسلوك.
إنني أرى أن هذه الوصية الحسينية تمثل منهجًا متكاملًا لكل من يريد الثبات على ولاية أهل البيت عليهم السلام، ولا سيما في زمن غيبة الإمام المهدي عليه السلام. فكلما ازداد المؤمن تمسكًا بالقرآن والعترة، ابتعد عن هتوف الشيطان، وحافظ على يقينه، ولم تغره زخارف الدنيا أو شعارات الباطل مهما كثرت.
الإصغاء إلى هتوف الشيطان بداية كل انحراف
- الإصغاء أخطر من مجرد الاستماع:
إن الإمام الحسين عليه السلام لم يحذر من الاستماع فقط، وإنما حذر من الإصغاء إلى هتوف الشيطان، لأن الإصغاء يعني أن يفتح الإنسان قلبه للباطل، فيتأثر به شيئًا فشيئًا حتى يبدل قناعاته ومواقفه. فالشيطان لا يبدأ بإسقاط الإنسان في الكبائر، وإنما يبدأ بخطوات صغيرة حتى يعتاد القلب على الغفلة. - أهل الكوفة سقطوا بسبب هتوف الشيطان:
لقد كان أهل الكوفة يعرفون الإمام الحسين عليه السلام ويعرفون منزلته، بل كتبوا إليه يدعونه للنصرة، ولكنهم عندما استجابوا إلى هتوف الشيطان وخافوا على دنياهم، انقلبوا على إمامهم. ولهذا خاطبهم الإمام زين العابدين عليه السلام بقوله: «أتبكون علينا فمن قتلنا؟»، لأن البكاء لا ينفع إذا فقد الإنسان الثبات على الحق. - الفتنة قد تصيب المنتسبين إلى أهل البيت:
إن أخطر ما في الفتن أنها قد تدخل إلى بيوت المؤمنين، ولذلك لا ينبغي لأحد أن يطمئن إلى نفسه. فقد يكون الإنسان محبًا للإمام الحسين عليه السلام، لكنه إذا استجاب إلى هتوف الشيطان وقدم الدنيا على الآخرة، فقد يبتعد عن الإمام المهدي عليه السلام وهو لا يشعر.
حب الدنيا من أعظم هتوف الشيطان
- التعلق بالدنيا يبعد الإنسان عن الإمام:
إن من أخطر صور هتوف الشيطان أن يجعل الدنيا أكبر همّ الإنسان، فينشغل بالمال والمنصب والجاه حتى ينسى رسالته الحقيقية. فالشيطان لا يقول للإنسان اترك الدين دفعةً واحدة، وإنما يزيّن له الدنيا شيئًا فشيئًا حتى يصبح رضا الناس أهم عنده من رضا الله تعالى. ولهذا فإن الإمام الحسين عليه السلام أراد أن يوقظ القلوب من هذا الخطر قبل أن تقع في شباكه. - حسن العاقبة هو أعظم ما يسأله المؤمن:
لقد كان العلماء الربانيون يكثرون من الدعاء بـ حسن العاقبة، لأن الإنسان لا يعلم كيف يختم له. فقد يعيش سنوات طويلة في طريق الهداية، ثم تزل قدمه إذا غفل عن مراقبة قلبه أو استجاب إلى هتوف الشيطان. ولذلك فإن المؤمن لا يعتمد على عمله، وإنما يسأل الله دائمًا الثبات على ولاية أهل البيت عليهم السلام حتى آخر لحظة من حياته. - القرآن يحذر من اختيار العمى بعد الهداية:
قال الله تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾، وهذه الآية تبين أن الهداية وحدها لا تكفي، بل لا بد من المحافظة عليها. فقد يعرف الإنسان الحق، ثم يتركه عندما تغلب عليه شهواته أو يخضع إلى هتوف الشيطان، فيخسر ما بناه خلال سنوات طويلة من الإيمان والعمل الصالح.
الإمام الحسين طريق النجاة من هتوف الشيطان
- التمسك بالثقلين ضمان الثبات:
لقد أوصى رسول الله صلى الله عليه وآله الأمة بالتمسك بـ كتاب الله وعترة أهل بيته، لأنهما صمام الأمان في زمن الفتن. وكلما ازداد المؤمن ارتباطًا بالإمام الحسين عليه السلام وبنهجه، ضعفت تأثيرات هتوف الشيطان على قلبه، وأصبح أكثر بصيرة في معرفة الحق والثبات عليه. - نهضة الإمام الحسين حفظت الدين:
إن الإمام الحسين عليه السلام لم يخرج لإصلاح قضية جزئية، وإنما خرج ليحفظ أصل الإسلام من الانحراف. فلو استسلم الإمام ليزيد، لضاعت معالم الدين، ولذلك أصبحت نهضته المباركة الميزان الذي يميز بين الحق والباطل، وبقيت مدرسة كربلاء تبني المؤمنين الذين ينتظرون الإمام المهدي عليه السلام بصدق وإخلاص. - أم البنين نموذج الوفاء للإمام:
ومن أروع صور الولاء ما جسدته السيدة أم البنين عليها السلام، فعندما وصلها خبر كربلاء لم يكن سؤالها الأول عن أبنائها، وإنما كان همها معرفة حال الإمام الحسين عليه السلام. وكانت تردد: «أولادي فداء للحسين»، لتعلمنا أن الإمام مقدم على كل شيء، وأن النجاة لا تتحقق إلا بتقديم طاعة الإمام على كل رغبات النفس والدنيا.
النتيجة
إن أخطر ما حذر منه الإمام الحسين عليه السلام هو هتوف الشيطان، لأنها البداية الحقيقية لكل انحراف عن طريق الله. وإذا أراد المؤمن أن يكون من أنصار الإمام المهدي عليه السلام، فعليه أن يحفظ قلبه من حب الدنيا، وأن يجدد بيعته كل يوم بالتمسك بالقرآن والعترة، وأن يسأل الله حسن العاقبة والثبات على الولاية. فمدرسة كربلاء ليست مدرسة للعاطفة وحدها، بل هي مدرسة للبصيرة والثبات ومجاهدة النفس، حتى يبقى الإنسان ثابتًا أمام الفتن، مستعدًا لنصرة إمام زمانه متى أذن الله تعالى بظهوره. نسأل الله سبحانه أن يجعلنا من الذين لا تؤثر فيهم هتوف الشيطان، وأن يرزقنا صدق الاتباع للإمام الحسين، والثبات على ولاية الإمام المهدي، وأن يعجل فرجه الشريف ويجعلنا من أنصاره وأعوانه.
“للمزيد من مشاهدة محاضرات محرم الحرام، يُرجى النقر هنا.”