سیاحة التسبیح؛ التوحيد وحقيقة الخالق
الحلقة الثالثة عشرة:
التوحيد وحقيقة الخالق في رؤية المدرسة الشيعية
في ما تبقى لنا من نفحات شهر رمضان المبارك، نعود لنبحر في رحاب التوحيد وحقيقة الخالق عز وجل، مدركين أن الإقرار بكلمة “لا إله إلا الله” هو التزام عظيم يتجاوز مجرد القول اللساني، ليصل إلى عمق الإيمان بصفات الله وأفعاله في الوجود.
إن محور حديثنا اليوم يدور حول التمييز الدقيق بين مدرسة أهل البيت عليهم السلام وغيرها من المدارس في فهم التوحيد وحقيقة الخالق. نحن نؤمن بأن الله سبحانه هو الموجد لكل شيء بقدرته، وأن فهمنا لهذه الحقيقة هو الذي يرسم مسارنا العبادي والسياسي والاجتماعي في مواجهة تحديات العصر.
المرتكزات العقائدية في فهم الذات والصفات
-
خلق الجنة والنار بمشيئة الله:
نقرّ بأن خلق الجنة والنار ليس مجرد أثر ميكانيكي للأعمال، بل هما مخلوقان خلقهما الله تعالى قبل خلق الخلق. إن السيد المرهوب سبحانه أوجدهما قبل أن يقدّر الأعمار، وهذا ما يميزنا عن مدارس الفلسفة التي أنكرت وجودهما العيني. -
تنزيه الخالق عن التغير والحدوث:
هل يتغير الله بفعله؟ حاشا لله، فالله سبحانه كان “قبل القبل” واليوم كما كان، لا يتأثر بضرر أو نفع يلحق العباد. الله “سُبّوح” لا يوصف بمقاييس البشر، وإذا أوجب فعلاً فلا يزداد في صفاته اسماً جديداً ولا ينقص من عظمته شيء. -
بطلان التشبيه بين الخالق والمخلوق:
لا يصح أبداً مقارنة بطش الجبابرة مثل صدام وفعلته في حلبجة بصفات الله عز وجل؛ فالتشبيه هنا باطل عقلاً. الله تعالى لا يُوصف بما يُوصف به المخلوق، والتسليم لعظمته هو باب الفهم الوحيد لجوهر التوحيد وحقيقة الخالق.
تجليات القدرة الإلهية في تدبير الكون
-
حكمة الله في تقلب الفصول:
إن التوحيد وحقيقة الخالق يظهر بوضوح في تقدير الصيف الحار والشتاء القارس؛ فالحرارة الشديدة قد تكون رحمة لنضوج الثمار. الله يدبر الأمور بحكمته، وما نراه شراً قد يكون في باطنه “رشداً” لا تدركه عقولنا القاصرة. -
جزيرة الرسول والبركات المكانية:
نسمي الحجاز “جزيرة الرسول” ﷺ تبركاً، ونرى في هجيرها وشموسها آيات تدعو للتفكر في تدبير الله. إن الله ينزل المطر والكسوف بتقدير دقيق، ونحن لا ننكر الشر من الله كما يفعل الفلاسفة، بل نسلم بقدرة خالق الجنة والنار. -
الآيات الكونية والرسائل الإلهية:
كل ذرة في هذا الكون، من أصغر بعوضة إلى أعظم شمس، هي جند من جنود الله المطيعة لأمره. إن الاعتقاد بأن الله هو المحرك الوحيد لهذا الكون هو جوهر مدرسة التشيع التي ترفض الخروج عن مسار التوحيد وحقيقة الخالق.
دلالات سورة الإخلاص في مواجهة الطواغيت
-
الفرق بين الأحد والواحد:
كلمة “الأحد” تحمل رسالة لبني آدم بأنه لا ثاني له سبحانه، وهي تدعونا ألا ندق أبواب السلاطين. إذا افتقرت أو ضاقت بك السبل، فاعلم أن الاستنصار بغير الله، سواء كان أمريكا أو روسيا أو الصين، هو وهم لا يغني من الحق شيئاً. -
الله الصمد كملاذ وحيد:
الله هو الصمد، السيد المصمود إليه الذي نتكئ عليه في جهلنا وعلمنا، وهو حمايتنا في الضعف وظلنا في القوة. إن الإقرار بالصمدية يعني الانقطاع التام عن كل القوى الزائفة واللجوء إلى التوحيد وحقيقة الخالق في كل آن. -
عبرة إبراهيم ونمرود:
انظروا إلى إبراهيم عليه السلام، كان شاباً وحيداً لكنه وثق بالواحد الأحد فصار أمة، بينما دمرت “بعوضة” واحدة عرش نمرود. القوة الحقيقية ليست بالجيوش المدججة ولا بالقنابل الذرية، بل بالاعتصام بحبل الله المتين الذي لا شريك له.
التحذير من الشرك الخفي والقوى الزائفة
-
خداع القوى العظمى والسحر السياسي:
كل من يظن أن “أبو أمريكا” أو “أبو روسيا” يملك ضراً أو نفعاً فهو واهم؛ فهذه القوى هي محض سحر وخداع. إنهم لن يخلقوا ذباباً ولو اجتمعوا له، والقدرة الوحيدة في الكون هي لله العزيز الأوحد الذي يرجع إليه كل فقير وذليل. -
خطر الشرك الخفي في الرزق:
الذين يذهبون ليدقوا أبواب الربا أو يطلبون السند من النصارى عند الجوع، هم مبتلون بـ “الشرك الخفي”. يجب أن ندرك أنه لا ملاذ ثانٍ ولا سند آخر غير الله، وأن طريق النجاة الوحيد هو الإقرار بـ التوحيد وحقيقة الخالق.
النتيجة
إن جوهر هذه الجلسة هو التسليم المطلق لعظمة الله وتنزيهه عن مشابهة المخلوقين، مع الإقرار بأن كل مقاليد الأمور بيده وحده. إن التوحيد وحقيقة الخالق يقتضي منا ألا نرى مؤثراً في الوجود إلا الله، وأن ننبذ كل القوى الطاغوتية التي تدعي القوة وهي أوهن من بيت العنكبوت أمام إرادة الله الواحد الأحد الصمد.
“للمزيد من مشاهدة دروس سیاحة التسبیح، يُرجى النقر هنا.”