شمس لاتغيب؛ القائم من ذرّية الحسين
الحلقة السادسة والثلاثون:
اصطفاء آل البيت ومنزلة القائم من ذرّية الحسين
أيها الأحبة، حديثنا اليوم يدور حول منزلة عظيمة خصّ الله بها آل بيت نبيه المصطفى (صلى الله عليه وآله)، كما ورد في حديث شريف رواه الشيخ الطوسي عن وهاب بن عباس، حين قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لابنته فاطمة (عليها السلام): “يا بُنيّة، إنّا أعطينا أهلَ البيتِ السبعةَ، لم يُعطَها أحدٌ قبلَنا”. ولقد كان هذا الإنعام دليلاً بيّناً على رفعة مقامهم واصطفائهم الإلهي.
أنا أُشير إلى سبعة أركانٍ لهم مكانة خاصة في هذه الأمة؛ بدءاً بـنبينا خير الأنبياء وهو رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ثم وصيُّنا خيرُ الأوصياءِ وهو علي (عليه السلام) بعلها، ثم شهيدُنا خيرُ الشهداءِ وهو حمزة (رضي الله عنه)، ثم من أُنعِمَ له جناحان يطير بهما في الجنة وهو جعفر الطيار، ثم الناصبان لهذه الأمة وهما السبطان، ابناها الحسن والحسين (عليهما السلام)، وختاماً، والله الذي لا إله إلا هو، بـ مهديِّ هذه الأمةِ، الذي يُصلّي خلفه عيسى بن مريم (عليه السلام).
بشارة ظهور القائم من ذرّية الحسين
ذات يوم، بينما كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) جالساً في البقيع، جاء إليه علي (عليه السلام) فأجلسه عن يمينه، ثم جاء جعفر بن أبي طالب فأجلسه عن يساره، ثم جاء العباس فأجلسه أمامه. فالتفت النبيُّ إلى علي (عليه السلام) يبشّره ببشرى عظيمة، قائلاً له: “ألا أبشّرك؟ ألا أُخبرك يا علي؟” فلما أجابه علي (عليه السلام) بالإيجاب، أخبره النبيُّ بأن جبرائيل (عليه السلام) كان عنده آنفاً، وأخبره بأن القائم الذي يخرج في آخر الزمان يملأ الأرض عدلاً كما مُلِئَت ظلماً وجوراً، هو من ذريتك!
-
كمال الطاعة والارتقاء:
رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان حاكماً وولياً في المدينة، ولكن كانت هناك آمالٌ معلّقة بظهور المهدي من آل محمد (عليه السلام) ليحقّق القسط والعدل المطلق. أنا أقول إن حكومة القائم من ذرّية الحسين خيرٌ من حكومة رسول الله (صلى الله عليه وآله) من حيث بسط اليد وكمال الطاعة، لأن النبي كان يتحمّل أهل الخطيئة والسفاهة في أيامه. أما في أيام الإمام المهدي (عليه السلام)، فإن عقول الناس ترتقي، ولا يضطرّ الإمام إلى تحمّل أحد؛ فالكلُّ يكونون طائعين له طوعاً كاملاً، كطاعة الجوارح للعقل.
-
تعبير علي (عليه السلام) عن الشكر:
علي (عليه السلام) لم يتردد في التعبير عن شكره لهذا الشرف العظيم، فقال: “يا رسولَ الله، ما أصابنا خيرٌ قط من الله إلا على يديك؛ أنت تقول هو مني، وهو منك يا رسولَ الله”. إنها أيام يَرغبها رسول الله (صلى الله عليه وآله) لـالقائم من ولد الحسين، الذي يملأها قسطاً وعدلاً.
شرف التسليم وصفات الدافع إلى القائم
ثم التفت النبيُّ إلى جعفر بن أبي طالب (عليه السلام) ليبشّره أيضاً، قائلاً: “ألا أبشّرك؟” فأخبره بأن جبرائيل أخبره بأن الذي يدفعها إلى القائم هو من ذريتك. أي أن شرف تسليم الحكم والسلطان إلى المهدي من آل محمد سيكون من وُلد جعفر الطيار، وهذا شرفٌ عظيم لذريته.
-
صفات الدافع إلى القائم:
عندما سُئل النبيُّ عن صفات هذا الدافع للحكم، قال: “ذاك الذي وجهُه كالدينار، وأسنانه كالمنشار، وسيفُه كحَقِّ النار؛ يدخلُ الجبلَ ذليلاً، ويخرجُ منه عزيزاً. يكتنفه جبرائيل وميكائيل”. هذا الوصف يبيّن عظمة دوره في التمهيد لظهور القائم من ذرّية الحسين.
-
حال الإمام عند الظهور:
أنا أرى أن الوصف الأخير ينطبق أيضاً على القائم نفسه، الذي يدخل الجبل – كجبل أبي رضوى – ذليلاً، أي فرداً وحيداً لا ناصر له، ثم يخرج منه عزيزاً بعد أن يكتنفه جبرائيل وميكائيل (عليهما السلام)، ويأتيه الإذن بالظهور كـ “برقٍ منشور”.
-
التحذير من نسل العباس:
أما العباس عمُّ النبي، فكان نصيبه التحذير، حيث أخبره النبي (صلى الله عليه وآله) بما أخبره به جبرائيل: “ويلٌ لذرّيتك من ولد العباس”. لم يكن أمام العباس إلا أن يسأل عن تجنّب النساء، لكن النبيَّ أجابه بأن الله “قد فرغ”؛ فقدّر الله الشرَّ كما قدّر الخير، وتمضي إرادته.
تأكيد منزلة خاتم الأوصياء في التوراة
أنا أُذكّركم بأن منزلة المهدي من آل محمد ليست حديثاً خاصاً بنا، بل هي مذكورة في الكتب السماوية السابقة. لقد سمعتُ أبا جعفر محمدَ بنَ عليٍّ الباقر (عليه السلام) يقول: إن موسى بن عمران (عليه السلام) نظر في الأسفار فوجد مدحاً للقائم وما يُعطى، حتى تمنّى موسى أن يكون هو قائم آل محمد، فقيل له: “إنّ ذلك من ذرية أحمد”. هذه المنزلة، منزلة خاتم الأوصياء، هي في ذرية النبي محمد (صلى الله عليه وآله)، كما وُجد المدح له في السفر الأول والثاني والثالث من التوراة.
النتيجة
ولقد أكّد الإمام الصادق (عليه السلام) هذا الاصطفاء حين قال: إن النبيَّ (صلى الله عليه وآله) خرج مستبشراً ذات يوم، وقال إن ربه تحّفه بتحفة لم يتحفه بمثلها، وهي رسالة من جبرائيل بالسلام، مفادها أن الله جلّ وعزّ “اختار من بني هاشم سبعةً لم يخلق مثلهم فيمن مضى، ولا يخلق مثلهم فيمن بقي”. إنّ القائم من ذرّية الحسين هو وعد الله لهذه الأمة بالعدل المطلق، وهو القمة التي يصل إليها خط الأوصياء والإصلاح الإلهي. أيها الأحبة، هذا الاصطفاء الإلهي ينبّهنا من غفلة الغافلين، ويثبّتنا على ولاية أهل البيت (عليهم السلام).
“للمزيد من مشاهدة دروس شمس لا تغيب، يُرجى النقر هنا.”