شمس لاتغيب؛ مشروع الاقتصاص
الحلقة الثانية والستون:
مشروع الاقتصاص: المطالبة بدم الأئمة وتمييز أهل الضلالة
نبدأ بحديث الإمام الصادق (ع) عن واقعة نهر الفرات، حين صدح أمير المؤمنين (ع) بنبوءته قائلاً: «أنا والله لأُقتلنَّ، ويُقتل ابناي هذان، ولا يبعثنَّ الله رجلاً من ولدي في آخر الزمان إلا طالبًا بدمائنا». هذه الكلمات ترسم جوهر مهمة الإمام المهدي (عج)؛ فهي ليست مجرد إصلاح، بل هي مشروع الاقتصاص الأكبر والمطالبة بدماء علي والحسن والحسين (ع) من كل من شارك أو رضي أو سكت. إنه صاحب الثأر الذي يأتي لتحقيق التمييز التام لأهل الضلالة.
إن الغيبة المباركة للإمام المهدي ليست أبداً عن ضعف، بل هي محطة إلهية لتمييز أهل الضلالة عن أهل الإيمان الحقيقي. فالله تبارك وتعالى يحاسب الناس بهذا التمييز، ليُريَهم في زمن المهدي أنهم كفروا حين لم يشكروا إلا ما رأته أعينهم، ولم يؤمنوا بكلمة الله وهيمنته التي لا يلامسها الحس. فالعقل يشهد أن من يسوق المقادير ويُجري الأنهار ويمطر السماء ويخضرّ الأرض هو الإمام المهدي سلام الله عليه، حتى وإن لم يُرَ بالعين، إنه السلطان الحقيقي الذي به تجري الأمور.
الارتباط بالإمام المهدي ومقام التعظيم الأوحد
إن الواجب على المؤمن أن يدرك أن الفضل اليوم كله للإمام المهدي، وأن الشكر الحقيقي والتعظيم المطلق يجب أن يكونا له وحده، والارتباط به يكون من دون حجاب.
-
التعظيم الحقيقي للإمام المهدي:
لا بد للمؤمن أن يُدرك أن مشروع الاقتصاص يتطلب رأياً مهدوياً وهدفاً مهدوياً، وأن التعظيم المطلق يجب أن يكون للإمام المهدي، لا لتعظيم قوى الأرض أو تقديس الأمم. فالحجاب الحقيقي هو أن ترى في نفسك تعظيماً أو إجلالاً لغير الإمام المهدي عليه السلام، ومن لا تكون له صلة وولاية به، فهو في حجاب الظلمة. -
الشكر للأيادي المهدوية:
إن شكرنا وحمدنا إنما يكونان للإمام المهدي وحده. وإن رأينا جميلاً من العلماء أو الأوتاد أو الملائكة، فإنما هو مشكور ومعظَّم في أعيننا لكونه من أيادي الإمام المهدي وجنده، وإلا ففعل غيرهم قبيح في ميزان الحق. ولذلك يجب أن نُعظّم الإمام المهدي بإذنه، لينتظم لنا الدين ويكون لنا الجزاء عند الله.
التمييز المحوري والخلافة الإلهية
إن مشروع الاقتصاص هو في جوهره مشروع تمحيص وتمييز: أين تضع نورك؟ ولمن يكون تعظيمك وشكرك؟ إن صرف الشكر والتعظيم لغير الإمام المهدي، أو لغير دولته وجنوده، يعني الانحراف عن الدين والجزاء.
-
مقام إعزاز العباد وإرزاقهم:
إن مقام إعزاز العباد وإرزاقهم وتأمينهم هو مقام وليّ الأمر الحق، السيد الحقيقي، وهو الإمام المهدي عليه السلام. وما سواه استدراج حتى يتمّ التمييز. عندما نرى الغربيين كأنهم تولّوا أرزاقنا وأمننا وعزّنا، نكون قد وقعنا في وهم السراب، بينما الحقيقة القرآنية هي: “وَيَجْعَلَكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ”. -
السلطان الأوحد وقيمة التعظيم:
إن كل التعظيم وكل الشكر وكل الإجلال إنما هو لصاحب الجلالة، الإمام المهدي ومشروع الاقتصاص، السلطان الأوحد الذي لا عدل له ولا نظير. وأي مبادرة أو تعظيم نقدمه له، فإن الله يشتريه ويُنزلُه منزلة تكريم الله وتحميده وتقديسه لنفسه. إن عظمة المهدي وقداسته تفوق الإحاطة، وكلمة “المهدي قدّوس” هي توحيد لله وليس تأليهاً لغيره؛ لأن الله هو من يشتري هذه الكلمات ويرفعها.
النتيجة
إن الإيمان بالغيب هو الإيمان بالإمام الغائب وبالمقامات التي عيّنها الله له. فالإمام المهدي هو الحياة، هو الاتجاه، هو القبلة. جنوده هم الذين لا يرون العظمة والجلالة إلا في إمامهم المهدي، والذين ينادون باسمه ويحسّون بالعبودية له. ومائدة طعامهم هي من فضل المهدي؛ وهذا هو نص القرآن: “وَأَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ”. نحن مدعوون لأن نكون تلك الثُلّة المؤمنة التي نهضت وقامت بفضل إمامها وسيدها، ولم تتخذ من دونه بدلاً. نسأل الله أن يمنّ علينا بالثبات على الولاية والدعاء إليه في سرنا وعلانيتنا، حتى يطلع لنا شمس الظهور. هذا هو التمييز، وهذا هو مشروع الاقتصاص.
“للمزيد من مشاهدة دروس شمس لا تغيب، يُرجى النقر هنا.”