محاضرات محرم الحرام؛ الحزن الحسيني
اليوم الحادی عشر من محرم الحرام:
الحزن على الإمام الحسين أساس الارتباط بالإمام المهدي
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين. إنّ الإمام المهدي عليه السلام هو الامتداد الطبيعي لرسالة الإمام الحسين عليه السلام، ولذلك فإنّ معرفة مشروعه لا تنفصل عن معرفة نهضة كربلاء، ولا يمكن للمؤمن أن يعيش حقيقة الانتظار إلا إذا حمل في قلبه حرارة الحسين التي لا تبرد أبداً. إن الحزن الحسيني ليس مجرد مشاعر عابرة، بل هو منهجٌ إيمانيٌّ يربط المؤمن بالإمام الحسين عليه السلام، ويجعله أكثر استعدادًا لنصرة الإمام المهدي عليه السلام.
لقد ورد في كلمات أهل البيت عليهم السلام أنّ رزق الحسين حرارة مكنونة في قلوب المؤمنين، وهذه الحرارة ليست مجرد عاطفة عابرة، وإنما هي مدرسة تربي الإنسان على الوفاء والولاء والثبات. ولهذا كان أئمة الهدى عليهم السلام يحثّون المؤمنين على إحياء ذكر الحسين، والبكاء عليه، وإقامة مجالسه، لأنها تهيئ القلوب لاستقبال دولة الإمام المهدي عليه السلام.
المشروع الحسيني هو مشروع الإمام المهدي
- الإمام الرضا يدعو إلى نصرة الحسين:
لقد علّمنا الإمام الرضا عليه السلام أن نصرة الحسين لا تتوقف عند زمن معين، بل تستمر ما دام الإنسان حيّاً. فقد خاطب دعبل الخزاعي بقوله: «يا دعبل، أنت ناصرنا ما دمت حيّاً»، ليؤكد أن خدمة الحسين مسؤولية مستمرة، وأن الكلمة والشعر والبكاء وإحياء المصيبة كلها من وسائل نصرة الحق. ولهذا فإن المؤمن لا ينتظر فرصة خاصة حتى يخدم قضية الحسين، بل يجعل حياته كلها في خدمة هذا المشروع المبارك، لأن الحزن الحسيني يقرب العبد إلى الله، ويزيده ارتباطاً بأهل البيت عليهم السلام. - البكاء على الحسين عبادة تقرّب إلى الله:
أكدت الروايات أن من أنشد في الحسين بيتاً من الشعر فبكى أو أبكى غيره كان له أجر عظيم عند الله تعالى. إن هذا البكاء ليس ضعفاً، وإنما هو تعبير عن الولاء للحق، ورفضٌ للظلم، وتجديدٌ للعهد مع الإمام الحسين عليه السلام. ولهذا بقيت المجالس الحسينية عبر القرون مدرسة للإيمان، ومنها يتخرج أنصار الإمام المهدي عليه السلام، لأنهم تعلموا فيها الصبر، والتضحية، والثبات على طريق الله.
الإمام المهدي عليه السلام يحمل راية الثأر للحسين
- الإمام المهدي إمامٌ محزون:
إن من أبرز صفات الإمام المهدي عليه السلام أنه محزون لظلامة جده الإمام الحسين عليه السلام. وقد دعا الإمام زين العابدين عليه السلام أن يحشره الله مع الإمام المهدي، لأنه الإمام الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعد أن ملئت ظلماً وجوراً. إن هذا الحزن ليس أمراً عابراً، بل هو جزء من شخصية الإمام المهدي، فهو يعيش مأساة كربلاء، ويحمل رسالة الحسين، ويجعل قضية عاشوراء محور مشروعه العالمي. - يا لثارات الحسين شعار دولة العدل:
عندما يظهر الإمام المهدي عليه السلام لا يرفع شعاراً دنيوياً ولا برنامجاً سياسياً كما يرفعه الناس، وإنما يرفع شعار «يا لثارات الحسين»، لأن إقامة العدل تبدأ بإحياء الحق الذي استشهد من أجله الإمام الحسين. ولهذا فإن أنصار الإمام المهدي يعرفون قيمة عاشوراء، ويجتمعون حول هذا الشعار، مؤمنين بأن إصلاح العالم يبدأ بإحياء رسالة كربلاء وإقامة العدل الإلهي.
تربية النفس على أخلاق الإمام المهدي
- العيش وفق سنن الإمام:
إن الانتظار الحقيقي لا يكون بالأماني فقط، بل يكون بالعمل. فمن أحب الإمام المهدي عليه السلام فعليه أن يحيي سنن الإمام المهدي في نفسه، وفي أسرته، وفي مجتمعه، حتى يكون مشروعاً مهدوياً يمهد لدولة الحق. إن المؤمن يسأل نفسه دائماً: كيف يتكلم إمامي؟ كيف يتعامل مع الناس؟ كيف يقف مع المظلوم؟ وكيف يربي أبناءه على طاعة الله؟ وبهذا تتحول العقيدة إلى سلوك عملي. - الوفاء قبل ظهور الإمام:
لقد بينت الروايات أن الله لا يريد من عباده الأموال فقط، وإنما يريد القلوب الصادقة والنفوس المستعدة للتضحية. فالإنسان قد يبذل ماله، لكن المطلوب أن يكون مستعداً لبذل نفسه في سبيل الحق إذا اقتضى الأمر. ولهذا فإن الركوع والسجود والطاعة كلها تربي المؤمن على التسليم لله، حتى يكون من أنصار الإمام المهدي عندما يأذن الله بظهوره.
مجالس الحسين تصنع أنصار الإمام المهدي
- الدوحة الحسينية مدرسة الإيمان:
إن المجالس الحسينية ليست مجرد مناسبات سنوية، بل هي مدرسة يتربى فيها المؤمن على معرفة أهل البيت عليهم السلام، وعلى الثبات في طريقهم. وكل دمعة صادقة على الإمام الحسين تزيد الإنسان قرباً من الله، وتغرس في قلبه حب الإمام المهدي. ولهذا كان الأئمة عليهم السلام يحثون على حضور هذه المجالس، لأنها تحفظ العقيدة، وتبني الإنسان المؤمن، وتجعله يعيش مشروع الإمام المهدي في كل يوم. - الاقتداء بالحسين طريق إلى نصرة المهدي:
من أراد أن يكون مع الإمام المهدي فعليه أن يقتدي بالإمام الحسين في الصبر، والإخلاص، والشجاعة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر. فالمهدي هو وارث الحسين، ولا يمكن السير مع الوارث إلا بالسير على نهج الموروث.
النتيجة
إن الحزن الحسيني طريق مشروع الإمام المهدي، لأن الإمام المهدي عليه السلام هو الامتداد الحقيقي لنهضة الإمام الحسين عليه السلام. وكلما ازداد المؤمن معرفةً بالحسين، وشارك في إحياء أمره، وربّى نفسه على سننه، كان أقرب إلى نصرة الإمام المهدي والالتحاق بدولته المباركة. نسأل الله تعالى أن يجعلنا من الثابتين على ولاية محمد وآل محمد، وأن يرزقنا البصيرة، والوفاء، والاستعداد لنصرة إمام زماننا، وأن يحشرنا مع الحسين والمهدي عليهم السلام في الدنيا والآخرة.
“للمزيد من مشاهدة محاضرات محرم الحرام، يُرجى النقر هنا.”