تنزيه الله عن الند والضد في دعاء الإخلاص وبيان صفات الله تعالى

سیاحة التسبیح؛ تنزيه الله عن الند والضد؛ الحلقة 57

أحدث مقاطع الفيديو

سیاحة التسبیح؛ تنزيه الله عن الند والضد

الحلقة السابعة والخمسون:

تنزيه الله عن الند والضد وبيان معنى «القديم بلا غاية»

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين. وما زلنا نعيش مع معاني دعاء الإخلاص، لأن هذا الدعاء يفتح أمامنا أبواب معرفة الله سبحانه، ويعلّمنا كيف ننزّه ربنا عن كل نقص، وكيف نؤمن بكماله المطلق. ومن أعظم هذه المعاني تنزيه الله عن الند والضد، فهو سبحانه القديم بلا غاية، ولا ضدَّ له ولا ندَّ له ولا مثل له.

إنَّ الإنسان كلما ازداد معرفةً بالله، ازداد يقيناً وتسليماً. ولذلك فإن حديثنا اليوم ليس حديثاً نظرياً، وإنما هو حديث يبني العقيدة في القلوب، ويؤكد أن تنزيه الله عن الند والضد أصلٌ من أصول التوحيد، وأن كل ما في هذا الكون محتاج إلى الله، بينما الله غنيٌّ عن جميع خلقه.

 

القديم بلا غاية ومعنى تنزيه الله عن الند والضد

  • الله القديم الذي لا يجري عليه الزمان:
    حين نصف الله بأنه القديم، فلا يجوز أن نفهم هذا الوصف كما نفهم قدم المخلوقات. فالإنسان إذا قيل إنه قديم أو كبير السن، فإن ذلك يدل على مرور الأيام والسنين عليه، أما الله سبحانه فلا يجري عليه زمان، لأنه خالق الزمان وخالق الليل والنهار. ولهذا فإن معنى القديم بلا غاية أن الله موجود بذاته، ولم يسبقه عدم، ولم يحتج إلى من يوجده أو يكمله. ومن هنا نفهم أن تنزيه الله عن الند والضد يبدأ من الإيمان بأنه سبحانه لا يخضع لقوانين خلقه، بل هو الذي أوجدها وأحاط بها.
  • كل مخلوق له غاية إلا الله:
    إننا نرى أن كل شيء خلقه الله له حكمة وغاية؛ فالإنسان خُلق للعبادة، والأنبياء بعثوا للهداية، والإمام المهدي عليه السلام أطال الله عمره لحكمة عظيمة، وكذلك الخضر عليه السلام. فكل موجود له رسالة يؤديها في هذه الحياة. أما الله عز وجل فلا يُقال: لماذا وُجد؟ أو لأي غاية كان؟ لأنه سبحانه القديم بلا غاية، وهو الغني المطلق الذي لا يحتاج إلى سبب، ولا يفتقر إلى شيء. وهذه الحقيقة من أوضح معاني تنزيه الله عن الند والضد؛ لأن المحتاج لا يكون إلهاً، والمتغير لا يكون خالقاً.

 

لا ضدَّ له ولا ندَّ له

  • إرادة الله لا يقف أمامها شيء:
    إن من أعظم معاني تنزيه الله عن الند والضد أن نؤمن بأن الله إذا أراد شيئاً فلا يستطيع أحد أن يرد إرادته. قد يجتمع أهل الباطل، وقد تتكاثر الأسباب الظاهرة، ولكن مشيئة الله نافذة، وحكمه غالب، وقضاؤه لا يُرد. ولهذا لا يوجد في هذا الكون شيء يستطيع أن يكون ضدّاً لله أو أن يهدم أثر فعله. فالنور والظلمة يتعاقبان، والحرارة والبرودة يتغالبان، أما إرادة الله فلا يغالبها أحد، لأنها إرادة الخالق الذي بيده ملكوت كل شيء.
  • الندّ صفة للمخلوق لا للخالق:
    قد يدّعي بعض الطغاة القوة، وقد يظنون أنهم يملكون مصير الناس، لكنهم في الحقيقة عباد ضعفاء. فالقرآن الكريم يرفض كل صورة من صور الشرك، ويؤكد تنزيه الله عن الند والضد، لأن الند هو من يشارك غيره في السلطان أو الملك، والله سبحانه لا شريك له في ملكه ولا في تدبيره. ولهذا فإن المؤمن لا يعلّق قلبه إلا بالله، ولا يرى القوة إلا منه، ولا يعتقد أن أحداً يستطيع أن يمنع فضل الله أو يطفئ نوره، لأن الله غالب على أمره، ولو كره الكافرون.

 

لا مثل له سبحانه وتعالى

  • ليس كمثله شيء:
    ومن تمام تنزيه الله عن الند والضد أن نؤمن بأنه سبحانه لا مثل له، كما قال عز وجل: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾. فكل مخلوق يمكن أن يوجد له شبيه أو نظير في بعض صفاته، أما الله تعالى فهو متفرّد في ذاته، ومتفرّد في صفاته، ومتفرّد في أفعاله. ولهذا لا يجوز أن نقيس الله على خلقه، لأن الخالق لا يشبه المخلوق، والكامل المطلق لا يقاس بالمحدود. وكلما ازداد العبد فهماً لهذه الحقيقة، ازداد يقيناً بأن تنزيه الله عن الند والضد هو أساس معرفة الله، وهو الطريق إلى الإيمان الخالص.
  • الأعداء لا يستطيعون إطفاء نور الله:
    لقد حاول الطغاة في كل زمان أن يمنعوا نور الله، وأن يطفئوا هداية الأنبياء، ولكنهم فشلوا جميعاً. فقد أراد فرعون أن يقضي على رسالة موسى عليه السلام، وأراد المشركون إطفاء نور النبي محمد ﷺ، وأراد قتلة الإمام الحسين عليه السلام أن ينهوا رسالته في كربلاء، لكن الله أبقى ذكرهم جميعاً، وأبطل كيد أعدائهم. وهذا شاهد واضح على تنزيه الله عن الند والضد؛ لأن أحداً لا يستطيع أن يغلب إرادة الله، ولا أن يغيّر ما أراده سبحانه لعباده المؤمنين. قد يتأخر النصر في نظر الناس، لكنه عند الله واقع لا محالة.

 

التوكل على الله ثمرة التوحيد

  • إذا عرفت الله زال الخوف من قلبك:
    إن الذي يوقن بـ تنزيه الله عن الند والضد لا يخاف من قوة البشر، ولا يضطرب أمام كثرة الأعداء، لأنه يعلم أن الجميع مخلوقون لله، وأن القوة والعزة والملك بيده وحده. ولهذا كان الأنبياء والأولياء أكثر الناس ثباتاً، لأنهم عرفوا ربهم حق المعرفة. فلم يتغيروا أمام المحن، ولم يضعفوا أمام الطغاة، بل كانوا يرون أن الله هو الأول والآخر، وهو القادر على أن يغيّر الأحوال في لحظة واحدة.
  • الإمام الحسين مدرسة في معرفة الله:
    ومن أعظم الدروس التي نتعلمها من كربلاء أن الإمام الحسين عليه السلام كان يرى الله فوق كل شيء. لم ينظر إلى كثرة الجيش، ولا إلى قلة الناصر، بل كان يعلم أن النصر الحقيقي هو رضا الله، وأن الباطل مهما علا فإنه إلى زوال. لقد ظن الناس أن بني أمية انتصروا يوم عاشوراء، ولكن الأيام أثبتت أن راية الحسين بقيت، وأن ذكره ازداد انتشاراً، بينما ذهب الظالمون ولم يبق منهم إلا الذكر السيئ. وهذه سنة من سنن الله تؤكد أن تنزيه الله عن الند والضد ليس قضية نظرية، بل حقيقة يشهد لها التاريخ.

 

النتيجة

إن دعاء الإخلاص يرسخ في قلوبنا حقيقة تنزيه الله عن الند والضد، ويعلمنا أن الله سبحانه القديم بلا غاية، وأنه لا ضدَّ له، ولا ندَّ له، ولا مثل له. فهو الأول الذي لا يسبقه شيء، والآخر الذي لا يلحقه فناء، والمتفرد في ملكه وسلطانه وكماله. وحين يستقر هذا المعنى في قلب المؤمن، يزداد توكله على الله، ويطمئن إلى قضائه، ولا يتعلق قلبه إلا بخالقه، لأنه يعلم أن كل قوة في هذا الكون خاضعة لمشيئته، وأن جميع الخلق فقراء إليه، وهو سبحانه الغني الحميد. فنسأل الله أن يثبتنا على التوحيد، وأن يرزقنا الفهم الصحيح لمعاني أسمائه وصفاته، وأن يجعلنا من أهل المعرفة واليقين، إنه سميع مجيب.

“للمزيد من مشاهدة دروس سیاحة التسبیح، يُرجى النقر هنا.”

 

بدون دیدگاه