شمس لاتغيب؛ تمييز الإمام الحق من المدّعين؛ الحلقة 92

أحدث مقاطع الفيديو

شمس لاتغيب؛ تمييز الإمام الحق من المدّعين

الحلقة الثانیة والتسعون:

تمييز الإمام الحق من المدّعين؛ ميزان الثبات على الحق

في قلب العقيدة الإسلامية تبرز مسألة تمييز الإمام الحق من المدّعين بوصفها من المسائل المصيرية في حفظ الدين وصيانة المؤمن من الفتن. فكم من إنسان التبس عليه الحق، فانخدع بشعارات براقة وأصوات تدّعي الإمامة والهداية، بينما الحقيقة أن الإمامة الحقة ليست شعاراً يرفعه الإنسان، ولا منصباً يطلبه لنفسه، وإنما هي مقام إلهي له سماته وأعلامه.

حين أريد أن أميّز الإمام الحق من المدّعين، لا بد أن أنظر إلى حقيقة الإمام وسيرته وعلمه وصلته بالله تعالى، لا إلى الشهرة وكثرة الأتباع. الإمام الحق لا يكون طالب سلطة ولا طالب فضل عند الناس، وإنما يكون منغمساً في خدمة الحق وتربية النفوس، وكل هدفه هداية العباد ورضا الله تعالى. أما المدّعي، فقد يستثمر الفورات الاجتماعية والزعامات الظاهرية ليصنع لنفسه شعبية، ثم يظهر مع الزمن ما في دعواه من خلل.

 

سمات الإمام الحق وأعلام المدّعين

  • الإمام الحق لا يُشار إليه بالأصابع:
    من أهم ما ينبغي أن نعرفه في تمييز الإمام الحق من المدّعين أن الإمام الحق لا يسعى إلى الشهرة ولا يبحث عن أن يُشار إليه بالأصابع في الطرقات والمجالس. فالإمام لا يجعل نفسه محوراً للدعاية، ولا يطلب أن يلتف الناس حول شخصه، بل تكون حياته مرتبطة بالحق وخدمة الدين وتربية النفوس، بعيداً عن الرياء وحب الظهور.
  • العلم الإلهي والعصمة:
    ومن سمات الإمام الحق العلم الإلهي والعصمة؛ فالإمام الحق ليس إنساناً عادياً يستند إلى الظنون والتجارب الشخصية، بل يكون علمه مرتبطاً بالله عزوجل. وما يصدر عنه من هدى وتعليم هو نور وحق، ولا يصدر عنه خطأ أو شبهة. ولذلك لا يصح أن يكون معيارنا مجرد الكلام الجميل أو القدرة على التأثير في الناس، بل لا بد من معرفة مصدر العلم وحقيقة صاحبه.
  • حكمة تدبير الأمور والزهد في الدنيا:
    الإمام الحق تظهر فيه حكمة تدبير الأمور، وخاصة في أحلك المواقف؛ فهو ثابت، رابط الجأش، بعيد النظر، ولا تحركه الأهواء والمصالح. ومن علاماته أيضاً الزهد في الدنيا، فلا يغريه المال ولا المناصب ولا كثرة الأتباع. أما المدّعي، فتتكشف حقيقته عندما تخالف أفعاله أقواله، وتظهر مطامعه المادية وشهوته للسلطة.
  • التواضع والصلة الخاصة بالله:
    ومن العلامات المهمة كذلك التواضع الحقيقي؛ فالإمام يعيش في قلب الأمة ولا يتعامل معها من موقع الاستعلاء. وله صلة خاصة بالله تعالى، تنكشف معها منازل العلم والهداية والوجدان الروحي. أما من يجعل الدين وسيلة لجمع الأتباع أو الأموال، ويكثر من طلب الولاء لنفسه، فعلى المؤمن أن يتوقف ويتأمل ولا ينقاد للبريق والشعارات الفارغة.

 

لماذا يكثر المدّعون في زمن الغيبة؟

  • ضعف الوعي الديني:
    في عصر غيبة الإمام عليه السلام، تزداد الحاجة إلى الوعي والبصيرة؛ لأن ضعف الوعي الديني يفتح الباب أمام المدّعين. فكلما قلّ ارتباط الإنسان بالنصوص الأصيلة وكلمات الأئمة، أصبح أكثر عرضة للتأثر بكل صوت مرتفع وكل شعار يرفع باسم الدين والإمامة والهداية.
  • حالة الترقب والانتظار:
    هناك عامل آخر، وهو حالة الترقب والانتظار. فالناس ينتظرون ظهور الحق ونصرة الدين، وقد يستغل بعض الباحثين عن الزعامة هذه الحالة ليقدم نفسه بصورة القائد أو صاحب المقام الخاص. ولذلك لا بد من الحذر من الشبهات، وعدم الانقياد لكل من يتحدث بلغة التقوى أو يرفع شعاراً دينياً دون ميزان واضح.

 

واجب المؤمن في تمييز الحق من الباطل

  • الرجوع إلى النصوص الأصيلة:
    أول واجب على المؤمن هو الرجوع إلى النصوص الأصيلة وكلمات الأئمة. فالدين لا يُعرف بالأشخاص وحدهم، ولا يكون كثرة الأتباع دليلاً على الحق. وكل دعوى تتعلق بالإمامة أو الهداية تحتاج إلى ميزان علمي وديني واضح، حتى لا تتحول العاطفة إلى طريق للانحراف.
  • التدقيق في العلم والسلوك والتقوى:
    ثم لا بد من التدقيق في العلم والسلوك والتقوى. فالمدّعي قد يملك قدرة على الكلام والتأثير، لكن الحقيقة تظهر في سلوكه وفي علاقته بالدنيا والمال والسلطة. لذلك لا يكفي أن نسمع دعوى، بل علينا أن نبحث عن آثارها ومطابقتها للحق ولما جاءت به مدرسة أهل البيت.
  • الحذر من البريق والشعارات الفارغة:
    كما يجب ألا ننخدع بالبريق والشعارات الفارغة. فالإمام الحق لا يحتاج إلى صناعة شعبية زائفة ولا إلى استثمار الإعلام والرأي العام لإثبات مقامه. وكل من يكثر من طلب الأتباع أو جمع الأموال باسم الدين ينبغي أن يكون محل تدقيق وتأمل؛ لأن مقام الهداية لا يُقاس بالشهرة ولا بحجم الجماعة التي تلتف حول الشخص.
  • المعيار الذي يحفظ الإيمان:
    إن تمييز الإمام الحق من المدّعين ليس مسألة نظرية فقط، بل هو ميزان يحفظ الإيمان من الانحراف. فإذا عرف المؤمن سمات الإمام الحق، وعرف علامات المدّعين، استطاع أن يثبت في زمن الفتن، وألا يجعل كل صوت ديني أو كل شخصية مشهورة دليلاً على الحق. المطلوب بصيرة، وعلم، ورجوع إلى الأصل، وعدم الاستسلام للشعارات.

 

النتيجة

إن تمييز الإمام الحق من المدّعين مسؤولية دينية عظيمة؛ لأن ضياع هذا الميزان يفتح أبواب الفتن والضلال، بينما حفظه يجعل المؤمن أكثر ثباتاً على سبيل الحق. ولذلك علينا أن نبحث عن العلم الإلهي، والعصمة، وحكمة تدبير الأمور، والزهد في الدنيا، والتواضع، والصلة بالله، وأن نبتعد عن الشهرة المصطنعة والسلطة والشعارات الفارغة. نسأل الله تعالى أن يبصّر قلوبنا بنور الهداية، وأن يجنبنا شباك المدّعين، وأن يثبتنا على الحق وأهل الحق.

 

“للمزيد من مشاهدة دروس شمس لا تغيب، يُرجى النقر هنا.”

بدون دیدگاه