شمس لاتغيب؛ اتباع الإمام المعصوم
الحلقة السابعة والسبعون:
خطورة الاستبداد بالرأي وترك الإمامة الربانية
أما بعد، فقد استوقفني ملياً قولُ مولاي أمير المؤمنين وسيد الموحدين علي بن أبي طالب (سلام الله عليه) في وصفه لأقوامٍ ضلّوا السبيل، حيث قال: «وكلُّ امرئٍ منهم إمامُ نفسه». إن هذه العبارة ليست مجرد تشخيصٍ لحالة اجتماعية، بل هي ذمٌّ شديد وصرخة تحذير من أخطر الأمراض الروحية؛ إذ إن الإنسان حين يعتدُّ برأيه ويستغني بهوى نفسه عن هدي السماء، فإنه يفتح على نفسه أبواب الفُرقة والضياع، فإذا لم يأتَمَّ المرء بإمامٍ في شؤون حياته، لا بنبيٍّ مرسل ولا بوصيٍ معصوم، فإنه يسير حتماً على سنن الهوى والتمزق.
إنني أخاطبكم اليوم لأؤكد أن من يعتقد في نفسه الاستغناء عن “القائد الرباني” يقع في فخ الوهم؛ فيأخذ من الأمور ما يراه هو وثيقاً بعقله القاصر، ويتمسك بما يتخيله أسباباً ومحكمات، والنتيجة هي نسيان المعروف الذي عُرِّف به، وإنكار المنكر الذي أُمِر بإنكاره. هذا الإنسان يصبح هائماً في تيهه، بلا بوصلة ترشده، فيظلم نفسه، ويظلم مجتمعه، بل ويظلم ماضيه ومستقبله وأولاده من بعده، لأنه قطع حبل اتباع الإمام المعصوم الذي هو العروة الوثقى والسبيل الوحيد للنجاة من جَور النفس وظلمات الجهل.
عواقب الانقطاع عن الولاية والانغماس في جَور النفس
عندما ينأى الإنسان بنفسه عن أنوار الإمامة، فإنه يدخل في سلسلة لا تنتهي من العثرات. يقول الإمام (عليه السلام): «ولن يزدادوا إلا خطأً»، وهذا الخطأ هو نتاج طبيعي للاعتداد بالذات؛ فالسعادة التي ينشدها هؤلاء تصبح سراباً، وبدلاً من إصابة الرشاد، يصيبون الشقاوة في كل حركة من حركاتهم.
- تراكم الأخطاء والارتهان للشقاوة:
إن الذين جعلوا أنفسهم أئمةً لأنفسهم يقعون في دوامة من التيه؛ فكلما حاولوا إصلاح شأنٍ بآرائهم القاصرة، أفسدوا من حيث لا يشعرون. إنهم يفتقرون إلى “المعيار المعصوم” الذي يميز الحق من الباطل، فتتراكم أخطاؤهم وتتوالى عثراتهم، ولا يزدادون مع كل هذا السعي إلا بُعداً عن الصواب وحرماناً من السكينة الحقيقية التي لا تُنال إلا في ظل اتباع الإمام المعصوم. - الحرمان من القرب الإلهي الحقيقي:
الإنسان بفطرته مجبول على البحث عن القرب من الله تعالى، ولكن هذا القرب ليس مجرد ادعاء، بل هو مسيرٌ يحتاج إلى دليل. فما سواه سبحانه ليس إلا زبداً كزبد البحر يذهب جفاءً. هؤلاء الذين تركوا الإمام يظنون أنهم يتقربون، لكن سَعيهم هباء، لأن القرب من الله لا يتحقق إلا من الأبواب التي أمر الله بها، وأولها باب الولاية. - الازدياد بُعداً والوحشة من الخالق:
إن المشكلة الكبرى ليست فقط في عدم التقرب، بل في الازدياد بُعداً؛ فكل خطوة يخطوها المرء بعيداً عن هدي المعصوم هي خطوة نحو الظلام. والعياذ بالله، يصبح هؤلاء في حالة من الطرد المعنوي، حيث تضيق عليهم الأرض بما رحبت، ويفقدون طعم الأنس بالخالق، ويستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير، غارقين في تيههم وضلالهم.
حقيقة القرب الإلهي وتدبير الخالق للعباد والبلاد
نحن نعتقد، خلافاً للمدارس الفلسفية المعطلة، أن الله تعالى ليس إلهاً فرغ من الأمر وخلق الكون ثم تركه، بل هو الله القريب، الفاعل، المؤثر في كل ذرة من ذرات الوجود. إن قربه سبحانه نافع وفعّال ومؤثّر، وهو الذي يمنح الحياة معناها الحقيقي في كل تفاصيلها اليومية.
- الله هو الشافي والمعِزّ والمدبّر:
إن القرب من الله من خلال اتباع الإمام المعصوم هو قربٌ من منبع الشفاء، لأن الله هو الشافي، وهو قربٌ من العز الحقيقي لأن الله هو المعِزّ. نحن لا نؤمن بإلهٍ بعيد، بل بمدبرٍ للعباد والبلاد، حاضرٍ في أزماتنا، ومحيطٍ بآلامنا، وقادرٍ على تغيير واقعنا إذا ما تمسكنا بحبل ولايته التي تجلت في أوليائه المعصومين. - الفارق بين عقيدتنا وعقيدة المعطلين:
هناك من يزعم أن “قد فرغ الله من الأمر”، وهذه دعوى باطلة تؤدي إلى اليأس والجمود. أما نحن، فنرى أن الله معنا في كل لحظة، وأن قربه يمنحنا النور والحياة والقيام. هذا اليقين هو ثمرة الارتباط بالإمام، الذي يعلمنا كيف نقرأ حضور الله في الوجود وكيف نستمد القوة من سلطانه الدائم الذي لا يزول.
من الوحشة الأرضية إلى الأنس بالحياة النبوية
إن الإنسان الذي لم يقتدِ بالإمام يقع فريسة للأنس بالماديات الزائلة؛ فيأنس بالبيت، وبالمرأة، وبالمال، وبالجاه. لكن هذا الأنس في جوهره ليس إلا “وحشة” مقنعة. فكل ما هو غير الله سرعان ما يتلاشى ويترك في الروح فراغاً لا يملؤه إلا الإيمان الحقيقي واتباع سنن المصطفى (صلى الله عليه وآله).
- الاستيحاش من السنن النبوية والحياة الغربية:
عندما يتشبع الإنسان بقيم الحياة الغربية المادية، فإنه يبدأ تلقائياً بالاستيحاش من الحياة النبوية. يرى الصيام وعراً، والفرائض ثقيلة، والشعائر صعبة. لماذا؟ لأنه لم يتعلم تغذية روحه، بل اعتاد على إشباع غرائزه فقط. إن اتباع الإمام المعصوم هو الذي يحوّل هذه الفرائض من عبءٍ ثقيل إلى أنسٍ روحي لا يوصف. - الشفاء بالدعاء وعظمة الشعائر الحسينية:
لقد كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) ينال الشفاء بالدعاء، ويجد في الجهاد والبكاء والارتباط بفاطر السماوات والأرض قمة الحياة. إن الحزن والبكاء على الحسين (عليه السلام) هو نوع من الحياة الراقية التي ترفع الإنسان من حضيض الماديات إلى أوج الملكوت. أما البعيدون عن هذا المسلك، فيرون هذه الشعائر بلا فائدة، لأنهم انغمسوا في “كهوف الشبهات”.
أهل الحسرات وضحايا كهوف الشبهات والعشوات
يصف أمير المؤمنين هؤلاء الذين ضلوا عن جادة الصواب بأنهم “أهل حسرات” و “كهوف شبهات“. هؤلاء القوم يتحولون إلى بؤرٍ للشك، يبثون السموم في عقول المجتمع، ويعيشون في حالة من “العشوات”، أي أن رؤيتهم للحقيقة مضطربة، فلا يبصرون الحقائق بوضوح، بل يتخبطون في دياجير الظلم والريبة.
- الارتهان للشبهات وفقدان البصيرة:
الإنسان الذي “يعشو عن ذكر الرحمن” يصبح عاجزاً عن رؤية تدبير الله في ملكه. يظن بجهله أنه هو المدير لشؤونه، وينسى أن الله هو “عبد الرزاق” المدبر الحقيقي. هؤلاء الذين يسكنون “كهوف الشبهات” يتساءلون دائماً: “ما فائدة هذا؟ ولماذا هكذا؟”، فيضيعون أعمارهم في تساؤلاتٍ عقيمة لا تزيدهم إلا تشتتاً وضياعاً. - ضلالة الشتات والميتة كالحيوانات:
إن هؤلاء الذين عاشوا بلا ارتباط بالإمام، وإن بنوا البيوت وتزوجوا وأنجبوا، فإن حياتهم تؤول إلى “شتات“. إنهم يعيشون حياةً أشبه بحياة الأنعام؛ يأكلون ويتمتعون ثم يموتون بلا أثرٍ باقٍ ولا ذكرٍ طيب. إنهم في شكٍ من وجودهم ودورهم، قاطعين لكل الارتباطات الملكوتية، فيخسرون الدنيا والآخرة، وذلك هو الخسران المبين.
تجليات القدرة الإلهية: تحويل الجحيم إلى جنة
انظروا إلى آيات الله في الكون، كيف جعل الشمس، وهي كتلة نارية محرقة، أنفع شيء للخليقة. هذا الإله الذي سيطر على النار وجعل بركتها تعمّ الأكوان، قادرٌ على أن يجعل أصعب مراحل حياتكم هي الأسعد والأكثر ثماراً، إذا ما سلمتم أمركم إليه واتبعتم هدي أوليائه.
- تحويل الفقر والمرض إلى عطاء إلهي:
من يمارس اتباع الإمام المعصوم يدرك أن الفقر قد يكون غنىً حقيقياً، وأن المرض قد يكون ثمرةً يانعة للارتقاء الروحي. لقد رأينا من الصابرين من تمنى لو استمرت أيام مرضه لما وجده من عوضٍ إلهي وقربٍ معنوي. الله يبارك في القليل ويحول المحن إلى منح، فالمؤمن لا يرى في البلاء إلا جميلاً، لأنه يعلم أن الله هو المتولي لأمره. - عبرة أبو ذر الغفاري وعزة الزهد:
تأملوا في سيرة الصحابي الجليل أبو ذر الغفاري؛ لقد عاش غنياً بإيمانه، متمسكاً برغيفين تحت فراشه، رافضاً أموال الظلمة. لقد استغنى بالله ورسوله عن حثالة الدنيا، فأصبح اليوم شمساً تشرق في الجنان، بينما أعداؤه جيفٌ على الصراط. هذه هي العزة التي يمنحها اتباع الإمام المعصوم، عزة لا تنحني لبلاط الملوك ولا تُباع بكنوز الأرض.
ضرورة التأمين الإلهي في الزواج وبناء الأسرة
إن الإمام (عليه السلام) يحذرنا من أن نكون “مأمونين عند من نجهل“. وهذا التحذير ينسحب على أدق تفاصيل حياتنا، وخصوصاً في بناء الأسرة والزواج. فمن سار على غير هدي النبي في اختيار شريك حياته، فإنه يعرض نفسه وذريته للهلاك والضياع في متاهات لا أصل لها ولا فصل.
- مخاطر الزواج العشوائي والبعد عن السنن:
إن الذين يتزوجون بناءً على انبهارٍ بلحظات عابرة أو قيم غريبة، بعيداً عن آداب الزواج النبوية، يجدون أنفسهم في نهاية المطاف في حياة “زبالة” (أعزكم الله). إنهم يستأمنون أنفسهم عند من لا يعرف قدرهم ولا دينهم، فتكون النتيجة ذرية تائهة تفتقر إلى الهوية والانتماء، وتعيش في شتاتٍ دائم وفشلٍ مستمر. - الله الصمد هو السند الحقيقي:
عندما تمشي وفق الشريعة، فإنك تحصل على ما أسميه “التأمين الإلهي“. الله “الصمد” يكون هو السند لك في كل معضلة. أما الذين يلهثون وراء السنن الشرقية أو الغربية، فليس لهم “صمد” يحميهم، بل هم وكلاء لأنفسهم، والويل لمن وكله الله إلى نفسه؛ فإنه يموت ميتةً ذليلة، لا يزوره زائر ولا يذكره ذاكر، وتضيع ثمرة عمره هباءً.
النتيجة
إن الارتباط بالإمام المهدي (عج) هو الملاذ من الشتات والحصن الذي يحمينا من ذئاب الشبهات، ومن خلال اتباع الإمام المعصوم في كل شؤوننا تتحول آلامنا إلى جبرٍ إلهي وفقرنا إلى غنىً حقيقي. فاجعلوا هذا “السيد” القائد هو الحاكم على قراراتكم والمدبر لحياتكم، لتتحرروا من تبعية الشرق والغرب وتلبسوا ثوب العزة والكرامة في ظل ولايته.
“للمزيد من مشاهدة دروس شمس لا تغيب، يُرجى النقر هنا.”