التوكل على الله وحده وشرح معنى لا إله إلا الله كما يحب الله أن يُهَلَّل وبيان أن الله وحده قاضي الحوائج وكاشف الكروب

سیاحة التسبیح؛ التوكل على الله وحده؛ الحلقة 59

أحدث مقاطع الفيديو

سیاحة التسبیح؛ التوكل على الله وحده

الحلقة التاسعة والخمسون:

لا إله إلا الله كما يحب الله أن يُهَلَّل

أيها الإخوة الأعزاء، ما زلنا نعيش مع كلمات دعاء الإخلاص، حيث نقف عند قوله الشريف: «لا إله إلا الله كما هَلَّلَه شيء، وكما يحب الله أن يُهَلَّل، وكما ينبغي لكرم وجهه وعزِّ جلاله». وهذه الكلمات ليست مجرد ذكر يجري على اللسان، وإنما هي مدرسة في التوحيد، وبابٌ لمعرفة حقيقة التوكل على الله وحده.

إن الله سبحانه لا يريد منا أن ننطق بكلمة التوحيد فحسب، بل يريد أن تستقر في أعماق قلوبنا، حتى يصبح اعتمادنا كله عليه، ورجاؤنا كله منه، ويقيننا كاملاً بأنه قاضي الحوائج، وكاشف الكروب، والصمد الذي لا يُلتجأ إلا إليه.

 

كما يحب الله أن يُهَلَّل

  • البراءة من التعلق بغير الله:
    أيها الأحبة، عندما أقول: «لا إله إلا الله» كما يحب الله أن أقولها، فلا يكفي أن أنطق بها، ثم يكون قلبي متعلقاً بالناس، أو بالمال، أو بالسلطان، أو بالطبيب، أو بأي سبب من الأسباب. إن الله يحب أن أقولها وأنا أعتقد يقيناً أن لا مرجع لي إلا الله، ولا قاضي حوائج إلا الله، ولا دافع لشوكة الظالمين إلا الله، ولا جابر لكل نقص إلا الله سبحانه. وهذا هو جوهر التوكل على الله وحده؛ أن أستعمل الأسباب التي أمر الله بها، ولكن لا أعتقد أن الأسباب هي التي تقضي الحاجات، وإنما أعتقد أن الله هو الذي يجعل فيها الأثر متى شاء، وينزع منها التأثير متى شاء.
  • التجربة تقود إلى معرفة الله:
    قد يصل الإنسان إلى هذا المقام عن طريق التجربة. يرى الناس جميعاً، فيجد أنهم يعجزون في ساعة الشدة، بينما يبقى الله وحده لا يعجزه شيء. كم من مريض قصد الأطباء، ثم عاد بلا علاج، فإذا فتح قلبه لله وجد الفرج من حيث لا يحتسب. وكم من إنسان ظن أن المال سينقذه، أو أن أصحاب النفوذ سيدفعون عنه البلاء، ثم اكتشف أن الجميع يقفون عاجزين أمام أمر الله. وحينئذٍ يدرك المؤمن أن التوكل على الله وحده ليس شعاراً، بل حقيقة عاشها بنفسه، فيقول: ما نفعني أحد كما نفعني الله، ولا أنقذني أحد كما أنقذني الله.
  • الشرك الخفي في الاعتماد على الأسباب:
    ولهذا ضرب القرآن لنا مثال نبي الله يوسف عليه السلام. فقد كان نبياً موحداً، ومع ذلك لما قال لصاحبه: ﴿اذكرني عند ربك﴾، عاتبه الله ليعلمه أن القلب ينبغي أن يبقى متعلقاً بالله قبل كل أحد. فالعبد قد يستعمل السبب، وهذا أمر مشروع، لكنه إذا جعل قلبه مع السبب أكثر من تعلقه بالله، وقع في نوع من الشرك الخفي الذي يضعف حقيقة التوحيد. ولهذا أقول دائماً: اقرأ دعاء المشلول، أو صلاة الاستغاثة بالسيدة فاطمة الزهراء عليها السلام، وأنت تشعر أن الأرض كلها لو اجتمعت، فلن تنفعك إلا بإذن الله، ولن تدفع عنك ضراً إلا إذا أراد الله.

 

الله وحده قاضي الحوائج

  • الأسباب ليست مستقلة بالتأثير:
    إن الناس كثيراً ما يخطئون عندما ينسبون الفضل إلى السبب وينسون المسبب. يقول أحدهم: لولا الطبيب لهلكت، أو لولا قائد السفينة لغرقت، أو لولا فلان لما انفرجت كربتي. أما المؤمن فيعلم أن الطبيب سبب، وأن السفينة سبب، وأن الإنسان سبب، لكن قاضي الحوائج هو الله وحده، ولو شاء سبحانه أن ينجي عبده بلا سبب لفعل، ولو شاء أن يبطل أثر جميع الأسباب لفعل. ولهذا رأينا في التاريخ كيف نجّى الله موسى عليه السلام والبحر أمامه، وكيف حفظ أولياءه بوسائل لا تخطر على بال، وكيف جعل في تربة الإمام الحسين عليه السلام شفاءً، وفي الدعاء والتوسل فرجاً، ليعلم الناس أن الأمر كله بيد الله.

 

كما ينبغي لكرم وجهه

  • تكريم وجه الله يكون بالتهليل الصحيح:
    أيها الأحبة، عندما نقول في الدعاء: «وكما ينبغي لكرم وجهه»، فإننا لا نقصد أننا نزيد الله كرامةً، فالله سبحانه هو الكريم بذاته، لا يحتاج إلى أحد، ولا يزداد مجداً بمدح المادحين. وإنما المقصود أن يكون تهليلنا سبباً في إظهار كرامة أولياء الله الذين ربّونا على التوحيد، وعلى رأسهم رسول الله صلى الله عليه وآله وأهل بيته عليهم السلام. فكلما عرف الإنسان حقيقة التوكل على الله وحده، وأخلص في قوله: «لا إله إلا الله»، كان ذلك تكريماً للطريق الذي جاء به الأنبياء والأوصياء. ولهذا أقول: إن الإمام المهدي عليه السلام ربّى شيعته على أن يكون اعتمادهم على الله وحده، فإذا تحقق هذا المعنى في نفوس المؤمنين، كان ذلك من آثار بركة هدايته، وسبباً لرفع منزلته عند الله، لأن ثمرة التربية الصالحة تظهر في سلوك التلاميذ.
  • كرامة الأنبياء تظهر في هداية الناس:
    لقد رأى رسول الله صلى الله عليه وآله في معراجه كثرة من اهتدوا على يد الأنبياء، فكان ذلك مظهراً من مظاهر تكريمهم عند الله. وكذلك كل داعية إلى الحق، فإن أعظم كرامة له أن يرى الناس قد عرفوا ربهم، وتمسكوا بسننه، وسلكوا طريق الهداية. فإذا قلت: «لا إله إلا الله»، وأنت لا ترى مؤثراً في الوجود إلا الله، فقد حققت معنى التوكل على الله وحده، وصرت ممن يكرمون طريق الأنبياء، لا بمجرد الأقوال، بل بحقيقة الإيمان والعمل.

 

وعزِّ جلاله

  • كلمات الله كلها عزٌّ وصواب:
    إن قولنا: «وعزِّ جلاله» يعني أن كل ما جاء من عند الله فهو حق، وكل ما شرعه فهو عزٌّ لعباده، وكل ما أمر به فهو طريق السعادة. ولهذا لا يجوز للمؤمن أن يعظم مناهج البشر على حساب سنن الأنبياء، ولا أن يرى في الحضارات المادية كمالاً يفوق ما جاء به الوحي. قد يبني الناس الجامعات، ويقيموا المصانع، ويحققوا التقدم المادي، لكن ذلك كله لا يغني عن الهداية الإلهية. أما منهج رسول الله صلى الله عليه وآله فهو الذي يبني الإنسان، ويهذب النفس، ويقود إلى الدنيا والآخرة معاً. ولهذا فإن المؤمن عندما يقول: «لا إله إلا الله»، فهو يعلن أن ميزان الحق هو ما أنزله الله، وأن عزته الحقيقية في اتباع القرآن وسنة النبي وأهل بيته عليهم السلام، لا في تقليد من خالفهم.
  • لا إله إلا الله ليست كلمة باللسان فقط:
    إن أخطر ما يواجه الإنسان أن تتحول كلمة «لا إله إلا الله» إلى مجرد ألفاظ يرددها، بينما قلبه متعلق بغير الله، ومعجب بقوة البشر، أو بثرواتهم، أو بحضاراتهم. أما التوكل على الله وحده، فهو أن يكون الله مرجعك الأول في الفكر، وفي القرار، وفي الشدة، وفي الرخاء، وأن تعلم أن كل قوة في الأرض لا تقوم إلا بإرادته، وأن كل سبب إنما يعمل بأمره. فإذا استقر هذا المعنى في القلب، أصبحت كلمة «لا إله إلا الله» حياةً كاملة، لا مجرد ذكر يتردد على اللسان.

 

النتيجة

أيها الإخوة المؤمنون، إن دعاء الإخلاص يعلمنا أن حقيقة التوكل على الله وحده ليست ادعاءً، بل هي مقام إيماني يصل إليه الإنسان عندما يوقن أن الله وحده قاضي الحوائج، وكاشف الكروب، وجابر الكسور، ومسبب الأسباب. ومن هنا يصبح تهليله لله كما يحب الله أن يُهَلَّل، وكما ينبغي لكرم وجهه وعزِّ جلاله، فينقطع قلبه عن كل اعتماد على غير الله، ويتمسك بسنن الأنبياء وأهل البيت عليهم السلام، ويزداد يقيناً بأن العزة كل العزة في طاعة الله، وأن السعادة كل السعادة في صدق التوحيد والإخلاص له سبحانه وحده.

“للمزيد من مشاهدة دروس سیاحة التسبیح، يُرجى النقر هنا.”

بدون دیدگاه