محاضرات محرم الحرام؛ الدنيا في رؤية الإمام الحسين ع
اليوم الثالث من محرم الحرام:
الدنيا في رؤية الإمام الحسين عليه السلام
لقد بيّنا أنّ من أهم الكلمات التي تكشف حقيقة الدنيا في مدرسة أهل البيت عليهم السلام قول الإمام الحسين عليه السلام: «إن الدنيا قد تبدلت وتغيرت وأدبرت»، وقوله: «إني لا أرى الموت إلا سعادة والحياة مع الظالمين إلا برماً». ومن خلال التأمل في الدنيا في رؤية الإمام الحسين عليه السلام ندرك أنّ هذه الكلمات لا تعبّر عن موقف عابر، بل تكشف رؤيةً إيمانيةً عميقة تجعل المؤمن ينظر إلى الدنيا على حقيقتها، لا كما يتصورها أهل الغفلة والانشغال بزخارفها.
وبيّنا أنّ الإمام الحسين عليه السلام لم يكن يدعو إلى ترك الحياة أو هجر العمل، وإنما كان يحذّر من الافتتان بالدنيا ومن تحويلها إلى غايةٍ كبرى. فالدنيا في نظر المؤمن وسيلةٌ للآخرة، ومزرعةٌ للعمل الصالح، أما إذا تحولت إلى هدفٍ مستقل فإنها تصبح سبباً للغفلة والابتعاد عن الله تعالى وعن أوليائه.
خطر الافتتان بالدنيا والركون إليها
الدنيا في رؤية الإمام الحسين عليه السلام نجد تحذيراً واضحاً من الافتتان بزخارف الحياة والركون إلى ملذاتها الزائلة، لأنّها قد تُبعد الإنسان عن أهدافه الحقيقية إذا غابت عنه البصيرة والإيمان.
- الدنيا أسحر من هاروت وماروت:
لقد أكّدنا أنّ من أخطر ما يواجه الإنسان في حياته هو سحر الدنيا، وقد ورد في الحديث الشريف أنّ الدنيا أسحر من هاروت وماروت. فكم من إنسان عرف الحق ثم تركه لأجل مالٍ أو منصبٍ أو جاه، وكم من إنسان كان قريباً من طريق الهداية ثم أبعدته الدنيا عن أهدافه الحقيقية. ولهذا كان الإمام الحسين عليه السلام يلفت الأنظار إلى خطورة التعلّق بالدنيا، لأنّ الإنسان إذا لم يمتلك البصيرة الكافية أصبح أسيراً للشهوات والرغبات، وصار يقيس الأمور بمعايير الربح والخسارة الدنيوية لا بمعايير الحق والباطل. - المرعى الوبيل وخسيس العيش:
وقد شبّه الإمام الحسين عليه السلام الدنيا بـ المرعى الوبيل؛ فقد يبدو المرعى أخضر جميلاً من ظاهره، لكنه يحمل في داخله المرض والفساد والهلاك. وكذلك الدنيا قد تُعجب الإنسان بزخرفها وزينتها، لكنها لا تمنحه السعادة الحقيقية إذا انفصلت عن طاعة الله تعالى. كما عبّر الإمام عليه السلام عنها بأنها خسيس عيش، أي عيشٌ حقير إذا قورن بما أعدّه الله تعالى لأوليائه من النعيم المقيم. ومن هنا ينبغي للمؤمن أن لا يخدع بالمظاهر الزائلة، بل ينظر دائماً إلى العواقب والنتائج. - حب الدنيا وحب الرئاسة:
ومن القضايا التي وقفنا عندها أنّ كثيراً من الانحرافات تنشأ من حب الدنيا وحب الرئاسة. فالإنسان قد يعرف الحق، لكنه يتركه حفاظاً على موقعٍ أو مصلحةٍ أو مكسبٍ شخصي. ولذلك فإنّ مدرسة الإمام الحسين عليه السلام تربي الإنسان على التحرر من هيمنة الدنيا، وعلى تقديم رضا الله تعالى على كل مكسبٍ زائل. فكل ما في الدنيا إلى زوال، أما ما عند الله تعالى فهو الباقي والدائم.
الزهد الحقيقي في مدرسة أهل البيت عليهم السلام
- الزهد لا يعني ترك العمل:
لقد أوضحنا أنّ الزهد الذي دعا إليه أهل البيت عليهم السلام لا يعني ترك التجارة أو العمل أو السعي في طلب الرزق. فالإمام الحسين عليه السلام لم يمنع الناس من دخول الأسواق أو طلب المعاش، بل بيّن أنّ المؤمن يعمل ويكتسب اقتداءً برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. فالأنبياء والأوصياء عاشوا بين الناس، وتزوجوا، وعملوا، وربّوا أبناءهم، لكنهم لم يجعلوا الدنيا أكبر همّهم. وهذا هو المعنى الحقيقي للزهد الذي يجمع بين العمل للدنيا والعمل للآخرة. - الدنيا وسيلة لا غاية:
وبيّنا أنّ المؤمن ينبغي أن يتعامل مع الدنيا بوصفها وسيلةً تقرّبه إلى الله تعالى. فالمال إذا استُعمل في الخير كان نعمة، والمنصب إذا استُعمل في خدمة الدين كان نعمة، والعلم إذا قاد إلى معرفة الله كان نعمة. أما المشكلة فتكمن في أن تتحول هذه النعم إلى غايات مستقلة، فيصبح الإنسان أسيراً لها ومقدّماً لها على طاعة الله تعالى وولاية أهل البيت عليهم السلام. - ما عند الله خير وأبقى:
إنّ من أهم الدروس التي تعلمناها من كلمات أمير المؤمنين والأئمة عليهم السلام أنّ المؤمن الحقيقي يجعل ما عند الله أحب إليه مما في يده. فالقيمة الحقيقية ليست فيما يملكه الإنسان من أموال أو ممتلكات، وإنما فيما يدخره لنفسه عند الله تعالى من الإيمان والعمل الصالح. ولهذا فإنّ أهل المعرفة ينظرون إلى الدنيا على أنها مرحلة عابرة، بينما يرون الآخرة هي دار القرار والحياة الحقيقية التي لا زوال لها.
التمسك بأهل البيت طريق النجاة من فتنة الدنيا
- بركة الارتباط بأهل البيت:
لقد أكّدنا أنّ أعظم ما يحفظ الإنسان من الانخداع بالدنيا هو الارتباط الصادق بأهل البيت عليهم السلام. فهذه المدرسة المباركة تعلّم الإنسان كيف ينظر إلى الدنيا بعين البصيرة، وكيف يوازن بين متطلبات الحياة وبين أهدافه الأخروية. ومن عاش في ظل هذه المدرسة المباركة أدرك أنّ البركة ليست بكثرة المال فقط، وإنما بالقرب من الله تعالى ومن أوليائه، وأنّ السعادة الحقيقية لا تُقاس بالمظاهر المادية وحدها. - البصيرة في زمن الشبهات:
كما أنّ التمسك بأهل البيت عليهم السلام يمنح الإنسان البصيرة في زمن كثرت فيه الشبهات والفتن. فالمؤمن يحتاج إلى العلم والمعرفة حتى لا ينخدع بالدعايات والأفكار المنحرفة التي تبعده عن الحق. ولهذا كانت كلمات الأئمة عليهم السلام ومجالسهم وتراثهم العلمي حصناً يحفظ المؤمن من الضياع، ويثبّته على طريق الهداية والاستقامة.
النتيجة
إنّ الدنيا في رؤية الإمام الحسين عليه السلام ليست دار قرار، وإنما دار امتحان وابتلاء. وقد علّمنا الإمام الحسين عليه السلام أن لا ننخدع بزخارفها، وأن ننظر إليها بعين البصيرة، وأن نجعل رضا الله تعالى فوق كل شيء. كما بيّنت مدرسة أهل البيت عليهم السلام أنّ الزهد الحقيقي لا يعني ترك الحياة، بل يعني التحرر من عبودية الدنيا والتعلّق بما عند الله تعالى. فمن سار على هذا النهج عاش عزيزاً في الدنيا، وفاز برضوان الله تعالى في الآخرة، وكان من السائرين على خط الحسين عليه السلام وثورته المباركة.
“للمزيد من مشاهدة محاضرات محرم الحرام، يُرجى النقر هنا.”