تجلي عظمة الخالق في صفة الفرد الوتر واستغناؤه عن الشفعاء والمشورة في تدبير الكون.

سیاحة التسبیح؛ الفرد الوتر؛ الحلقة 24

أحدث مقاطع الفيديو

سیاحة التسبیح؛ الفرد الوتر

الحلقة الرابعة والعشرون:

مقدمة في جوهر التوحيد ومعرفة الفرد الوتر

بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على أشرف الخلق وسيد المرسلين. ونحن نعيش في ما بقي من نفحات شهر رمضان المبارك، نتدبر في أعماق “دعاء الإخلاص”، هذا الدعاء العظيم الذي يفتح لنا آفاق المعرفة بالله سبحانه وتعالى بصفاته العليا. إننا حين نلهج بالذكر قائلين: “لا إله إلا الله الواحد الأحد، لا إله إلا الله الفرد الوتر“، فنحن لا نردد مجرد كلمات عابرة، بل نعلن عن أربعة أركان راسخة في عقيدتنا؛ نؤمن يقيناً بأن الله تعالى لا شريك له في ملكه، ولا عدل له في حكمه، ولا نظير له في صفاته الأربع التي ذكرها الدعاء: الواحد، والأحد، والفرد، والوتر.

إن هذه الكلمات نؤمن بأن الله سبحانه وتعالى لا شريك له فيها؛ فكلمة الواحد وكلمة الأحد وكلمة الفرد وكلمة الفرد الوتر، كلها تنبئ عن ذاتٍ لا تفتقر إلى مكمل. إن هذا الإله الذي لم يكن معه أحد، لم يجعل لنفسه شريكاً، ولم يتخذ عدلاً، ولم يجعل له حقّاً آخر يكون معه فرداً آخر. فالله تبارك وتعالى هو القديم الذي لا يزال كما كان، لا يحتاج إلى مخلوق حتى يكون إلهاً، ولا يحتاج إلى عون حتى يكون فيّاضاً، بل كل ما نراه هو فضلٌ محض منه سبحانه وتعالى.

“لمشاهدة الحلقة 24 من الدروس سیاحة التسبیح علي يوتيوب اضغط هنا.”

 

حقيقة الوترية ومظلومية سيد الشهداء (ع)

  • مفهوم الوتر في اللغة والعقيدة:
    إن معنى الوتر يتلخص في أن يكون الواحد لا شفيع له، ولا يوجد أي شيء يخرجه من حدود الوترية. أما نحن المخلوقات، فكلنا نفتقر إلى هذه الصفة؛ إذ يحتاج الإنسان دائماً إلى “شفع” يكمل نقصه ويسد حاجته. إن المخلوق بطبعه محتاج، ناقص، ومفتقر، بينما الله وحده هو الكامل الذي لا يحتاج إلى شيء. فالوترية في حق الله تعني أن حق الخالقية ذاته محفوظ له، ولا يحتاج إلى شافع معه كما تحتاج سائر المخلوقات إلى الشفاعة في وجودها واستمرارها.

  • الإمام الحسين (ع) الوتر الموتور:
    ننظر بقلوبنا إلى سيد الشهداء، الإمام الحسين عليه السلام، الذي نصفه في الزيارات بـ “الوتر الموتور“. لماذا نطلق عليه هذا الوصف؟ لأنه سُلب حقوقه التي شرعها الله له؛ سُلب حق الحياة، وسُلب حق المال والثروة، وسُلب حق الأهل والبنين. الحسين “موتور” في نفسه وبأبيه؛ لأنه لم يُشفع له في حقه أمام الظلم، فبقي وتراً في مظلوميته التاريخية. لقد أفسد يزيد على الحسين دنياه بسلب حقوقه المشفوعة، ولكن الحسين عليه السلام فاز بآخرته وبقى صوتاً للحق في وجه الباطل.

  • حقوق الله الذاتية والوترية المطلقة:
    أما الله تبارك وتعالى، فلا أحد يجعل له حقّاً، ولا أحد يفتح له فتحاً؛ لأن الحق الوحيد الثابت والدائم في كل هذا الكون هو الله فقط. هو الفرد الوتر الذي ثبت مع وجوده كل شيء، ولا يوجد شيء يثبته معه غيره. فحتى في الأذان والشهادة، يبرز حق الخالقية كحق ذاتي لا يشفع معه أحد، بخلاف المخلوقات التي تحتاج دائماً إلى شفع لتنال حقوقها المجهولة التي لا بد أن تحققها بالتقوى والعبادة والعمل الصالح.

 

كمال الخالقية وبطلان الشركاء والمفاوضات

  • الاستغناء عن الوسائط والمخلوقات:
    إن حكم كمال الخالقية عند الله لا يحتاج إلى وجود مخلوقات ليُسمى خالقاً، وحكم الفياضية لا يحتاج إلى مفاوضات أو شروط ليُسمى كريماً. كان الله ولم يكن معه مخلوق، لا معلوم ولا مجهول. هذا الإله العظيم الذي لم يتخذ صاحبة ولا ولداً، هو الفرد الوتر الذي لا يحتاج إلى مخلوقات حتى يكون فيّاضاً، ولا يحتاج إلى من يُكرِم عليه. إن فعل الله حقائق حققها بكلمة “كن”، وما كان محتاجاً قبل الخلق، ولا يزال غير محتاج الآن.

  • وترية الله وعدم التجزؤ:
    نحن نؤمن بوترية الله، الذي ليس مثلنا يحتاج إلى شافع يشفع له حقوقاً تجعل له كمالاً. الله لا ينتقض ولا يكتمل بغيره؛ فالعظمة لله ذاتية. إن الكعبة والأنبياء والرسل هم أفعال الله وعلامات عظمته، ولكنهم ليسوا الرب نفسه. الكفر بفعله كفرٌ به، لكن الملازمة الحقيقية لا تجعل شيئاً مع الله في مرتبة ألوهيته، فهو الفرد الوتر المتفرد بكل شيء، الذي خلق الخلق ليفيض عليهم من جوده لا لسد نقصٍ فيه سبحانه.

  • الحقوق المجهولة والعبادة:
    نحن كمخلوقات، بعض حقوقنا مجهولة لنا، ولا بد أن نحققها عبر التقوى. الله جعل لنا حق الأبدية، ولكن الوصول إليها في رفاه يتطلب منا أن نكون مؤمنين هنا. جعل لكم حق الشفاعة وحق العيش في رغد، ولكن هذه الحقوق لا تُنال إلا بالعمل. فلا بد أن تعدّوا التقوى وتجدّوا في العبادة حتى تشفع لكم ثمار الجنة. أما الله، فهو الفرد الوتر الذي يعطي العطايا المحضة من فضله دون سابق عمل من أحد.

 

تجلي التوحيد في سلوك المؤمن وبطلان ادعاءات الطغاة

  • إقرار الجوارح بالوترية:
    إن إقرارنا بأن الله هو الفرد الوتر يجب أن يتجاوز اللسان ليظهر في كل حركاتنا وسكناتنا. لقد علمنا نبينا الكريم صلى الله عليه وآله أن نشهد بوترية الله في تفاصيل حياتنا؛ فنصلي صلاة الوتر، ونلتزم بأعداد محددة في الركعات والعبادات. وحتى في العادات اليومية كالمطعم والمشرب، إذا أكل الإنسان وتراً فإنه يشهد بجوارحه أن الله وتر. إن المؤمن الحقيقي هو من يشهد كل ما يؤديه لله على أن معبوده هو الفرد الوتر الذي لا شريك له.

  • زيف ادعاءات الفراعنة والحكام:
    في كل زمان، يظهر من يدعي التميز، مثل فرعون الذي قال “أنا ربكم الأعلى”. واليوم نرى حكاماً يظنون أنفسهم أوتاراً لا نظير لهم، وهذا ادعاء باطل وظلم عظيم. نقول لهؤلاء: العالم منكم لم يصبح عالماً إلا بوجود الأساتذة والمربين والبيئة، فكلهم شركاء في تكوينه. لا يوجد الفرد الوتر إلا الله وحده. الإنسان إذا ادعى الوترية فقد ظلم نفسه؛ لأنه محتاج إلى الطعام، والماء، والدواء، وحتى الأنس عند الموت.

  • حاجة الخلق للمشورة والضميمة:
    المهندس وحده لا يبني بناية، بل يحتاج إلى عمال ومواد وتخطيط. حتى جبرائيل عليه السلام يحتاج في نظام الوحي إلى أعوان مثل إسرافيل. وآدم عليه السلام احتاج إلى المشورة والاختبار. نحن دائماً نحتاج إلى “ضميمة” أفكار الآخرين وإلى الأسباب المادية. أما الله، فهو الفرد الوتر الذي لا يحتاج إلى استشارة، ولا هندسة، ولا أدوات، ولا أعوان. من ادعى غير ذلك فليأتِ بشيء من أفعال الله، كأن يأتي بالشمس من مغربها.

النتیجه

إننا نختم هذا البحث بالإقرار التام بأن “لا إله إلا الله الفرد الوتر“. إن هذا الذكر هو دعوة للتواضع والاعتراف بالفقر الذاتي للإنسان أمام الغنى المطلق للخالق. نحن الموحدين لا نقبل شركاء لله، ولا عدولاً، ولا نظراء. فالله هو المتفرد في ذاته وأفعاله، والكل إليه راجعون. لا المرجعية ولا العلماء ولا الأنبياء يشاركون الله في وتريته المطلقة، بل الجميع عبادٌ مكرمون يفتقرون إلى فيض جوده ورحمته، فهو وحده سبحانه الفرد الوتر الذي لا ثاني له.

“للمزيد من مشاهدة دروس سیاحة التسبیح، يُرجى النقر هنا.”

 

بدون دیدگاه