سیاحة التسبیح؛ تجليات أسماء الله الحسنى
الحلقة الثامنة:
تأملات في أسرار الهيمنة والجبر الإلهي
أقف بين أيديكم اليوم لنبحر معاً في رحاب التوحيد، مستفتحاً بذكر تجليات أسماء الله الحسنى، وبالخصوص اسمي “المهيمن” و”الجبار”. إننا حين نلهج بهذا الذكر في ساعات الشدة وفي لحظات الرخاء، إنما نستحضر حقيقة الوجود المطلقة. إن اختيارنا لاسم “المهيمن الجبار” نابع من فهم عميق لآلية تدبير الكون؛ فليس كل من يهيمن يمتلك القدرة على الجبر، ولكن الله سبحانه هو المتفرد بجمع هاتين الصفتين. المهيمن هو الذي يرى كل شيء، المحيط بكل تفصيل، فلا تعزب عنه ذرة في الأرض ولا في السماء، أما الجبار فهو الذي يملك القدرة على القسر وتغيير الأحوال بما تقتضيه حكمته ورحمته.
ولتقريب الصورة لأذهانكم، نضرب مثلاً بالإنسان الذي يضع منظومة كاميرات مراقبة في منزله؛ هو بلا شك “مهيمن” بمعنى الرؤية والإحاطة بما يجري، يرى السارق وهو يدخل، ويرى الحوادث وهي تقع، لكنه قد يفتقر تماماً إلى قدرة “الجبر” ومنع تلك الأحداث من الوقوع. أما الله تعالى، فهو المهيمن الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، وهو الجبار الذي يجبر كسر العباد، ويجبر الطرف الآخر على مسار معين إذا أراد. فعندما يعتري المرء مرضٌ يُقعده عن الحركة، فإن ذلك يقع تحت سطوة “الجبار” الذي لا يستطيع أحد أمام قدرته أن يخطو خطوة واحدة إلا بإذنه، وهذا الفهم يرسخ في قلوبنا التسليم المطلق لـ تجليات أسماء الله الحسنى.
عظمة الحنان الإلهي والولاية الممتدة عبر الزمن
-
حنان الله المنان الذي لا ينقطع:
إننا حين ننتقل في تدبرنا إلى اسم الله “الحنان المنان”، نجد أنفسنا أمام حنية إلهية لا يمكن للعقل البشري أن يحيط بمدادها. الله تعالى يمتلك “حنية” خاصة على عباده، وهي حنية مغلفة بـ “منّة” عظيمة. إن نعم الدنيا، مهما بلغت في نظرنا، لا تساوي عند الله شيئاً، ولكن المنة الحقيقية تكمن في العطايا المعنوية والروحية. إن الروايات تخبرنا بأن الإنسان مهما أكل أو شرب أو لبس في هذه الدنيا، فإن ذلك يبقى في إطار المادة الزائلة، أما الحنان الإلهي فهو الذي يمنحنا “الولاية” التي تربطنا بالملكوت، وهو حنان يفوق حتى حنان الأمهات؛ فالأم قد تشبع ولدها وتعتني بنظافته وتؤنسه، ولكن هذا الحنان قد ينقطع أو يغيب أثره في القبر، أما حنان الله المنان فهو يتصل بنعيم الجنة ويستمر مع العبد في كافة عوالمه. -
الولاية كصلة وصل بين الدنيا والآخرة:
هنا تبرز الولاية، ولاية علي بن أبي طالب (عليه السلام)، كأعظم تجلٍ من تجليات أسماء الله الحسنى (الحنان المنان) على الشيعة. إن ثمار الدنيا وفواكهها التي نأكلها ما هي إلا أشباه لثمار الجنة كما ورد في سورة البقرة “أوتوا به متشابهاً”، وكذلك جلساتنا الإيمانية هذه، ولقاءات الشباب في “الثانوية”، ليست مجرد اجتماعات زمنية، بل هي بذور لجلسات ستستمر في الجنة. ببركة الولاية، تتحول هذه اللحظات إلى بقاء، حيث يتذكر المؤمنون في الجنة أيامهم في الدنيا وكيف كانت تجمعهم المجالس بفضل صاحب الولاية، وهذا هو سر المنة الإلهية التي تجعل العمل الصغير مخلداً في ملكوت الله.
تجليات العزة الإلهية في غيبة وظهور الإمام المهدي (عج)
-
العزيز عن غير تعزز وأسرار عزة الإمام:
ننتقل الآن إلى اسم الله “العزيز عن غير تعزز”. في عرفنا الاجتماعي، نسمي الرجل “عزيزاً” إذا أحاط به الأنصار والرجال وكان له شموخ كشموخ الجبل لا يوصل إليه، وهذا “تعزز” بالغير. أما الله تعالى، فهو عزيز بذاته، لا يحتاج لجيوش ولا لأعداد ليكون عزيزاً. هذا المعنى نلمسه بعمق في حياة إمامنا المهدي (عجل الله فرجه)؛ ففي الروايات، يدخل الإمام الجبل وهو “أذل من فيها” بمعايير الدنيا، حيث لا نصير له ولا مشروع يُهتم به بين الناس. هناك، في عزلة الجبل، يلتقي بجديه محمد وعلي (صلى الله عليه وآلهما)، حيث يملي رسول الله القرآن على علي، ويُسلم للإمام “رقاً منشوراً” مخروماً بختم النبي الرطب، وفيه الإذن بالفرج والقيام وإبادة الظالمين. -
خروج الإمام بعزة الله لا بعزة الجيوش:
حين يخرج الإمام المهدي (عج) من غيبته، يخرج وهو “أعز من فيها”، وليس سر عزته في جيوش روسيا أو أمريكا، بل في كونه مسنداً من أعظم رجلين في تاريخ الوجود: محمد وعلي. إن الإمام الذي اعتراه في الغيبة “ذل” الخذلان من بعض شيعته، يعتريه عند الظهور عزة “السلطان” المسدد من الله. إن الله تعالى يُلبس إمامنا كسوة العزة الذاتية التي لا تفتقر للوسائط، ليُعلمنا أن تجليات أسماء الله الحسنى تظهر حين تنقطع الأسباب الأرضية، فتكون العزة لله ولرسوله وللمؤمنين من غير حاجة لتعزز المخلوقين.
نصرة الضعفاء وتجربة “القديم من غير تقادم”
-
عزة الله في الضعفاء والمظلومين:
إن الله تعالى يظهر صفة “العزيز عن غير تعزز” في أضعف خلقه. انظروا إلى الحسين (عليه السلام) الذي داسته الخيل وسبي نساؤه، أراد الظالمون طمسه، لكن الله جمع له القلوب من غير “تعزز” مادي. وكذلك نرى ذلك في المرأة؛ ففي مجتمعاتنا قد لا يُذكر اسم المرأة، ولكن الدين قام على امرأة من أهل الكساء، وعلى جهود “أخت زرارة” التي ببركتها وصل إلينا فقه الحج والدين، فأصبح مراجع الشيعة تلامذة لجهود امرأة عزيزة بالله. بل حتى في عالم الحشرات، البعوضة العرجاء التي دخلت أنف نمرود دمرت ملكه؛ فالله يعز من غير أسباب، وهذا يدعونا للتمسك بالدعاء أولاً وقبل كل شيء، فهو سلاحنا في استنزال النصر الإلهي. -
الحكمة اللدنية والقديم من غير تقادم:
وأخيراً، نتدبر في اسم الله “القديم من غير تقادم”. الله قديم بلا زمن، وهو يعطي أولياءه آثار هذه الصفة فيما نُسميه بـ “التجربة والخبرة”. إن البعض يحتاج لعشرات السنين ليحصل على الخبرة، ولكن ببركة تجليات أسماء الله الحسنى، قد يُعطي الله شاباً في الأربعين حكمة تفوق الشيوخ، كما رأينا في إمامنا المهدي (عج) الذي سجد وشهد لله لحظة ولادته، فكان محيطاً بالعلوم دون “تقادم” الزمان عليه. إن معاشرة العاقلين والإخلاص في طلب العلم والتوحيد يمنح الإنسان “إتقاناً” ووصالاً يجعل حله للمسائل وخبرته في الحياة سابقة لأقرانه بمدد إلهي مباشر.
النتيجة
إن المحصلة التي نخرج بها من هذا المجلس هي أن مشروعنا الأساسي في الحياة يجب أن يكون التعلق المباشر بالله عبر الدعاء. لا تيأسوا إذا كنتم وحيدين أو مظلومين، فالله يعز بلا رجال، ويغني بلا مال، ويقهر الأعداء بلا جيوش، كما رد كيد الوهابية عن كربلاء بصرخة استغاثة بالإمام المهدي. نحن نعيش في رحاب “باب حطة”، وبتوجهنا للصادقين (عليهم السلام)، ننال غفران الله وعزته بأيسر الطرق. فلنطمع في هذا الإله العزيز القديم الذي لا يمل من عطائه، ولنجعل همنا هماً واحداً وهو رضا الله والارتباط بولاية أهل البيت.
“للمزيد من مشاهدة دروس سیاحة التسبیح، يُرجى النقر هنا.”