سیاحة التسبیح؛ الملك القدوس
الحلقة السادسة عشرة:
تجليات سلطنة الملك القدوس في شؤون العباد والبلاد
لقد وصلنا في رحاب دعاء الإخلاص إلى وقفة إيمانية جليلة مع اسم من أسماء الله الحسنى، وهو الملك القدوس. نحن بصفتنا موحدين وشيعة لأهل البيت (عليهم السلام)، نجدد اعترافنا الدائم بأن الله سبحانه هو ملكنا الحقيقي ومالكنا الأوحد، ولكن هذا الملك يختلف في جوهره عن ملوك الأرض؛ فبينما يعتمد ملوك الدنيا على مظاهر الحراسة والكاميرات والجنود الظاهرين لتفقد الرعية، نجد أن ملك الله يقوم على الإيمان بالغيب واليقين التام بهيمنته المطلقة التي لا تحتاج إلى وسائط مادية نراها بالعين المجردة.
إن هذا اليقين بأن الله هو الملك القدوس لم يأتنا من فراغ، بل هو مستمد من آيات القرآن الكريم وما بلغه رسول الله (صلى الله عليه وآله) حين أخبرنا أن الله ملك ومالك، يملك أوقاتنا وأنفاسنا، ويملك عوائلنا وأولادنا؛ فهو الذي إن أراد أن يزيد في الخلق زاد، وإن أراد أن يقلل قلل، وهو الذي يملك بسط الرزق أو تضييقه، ويكثر الهناء في العيش أو يجعل الإنسان في كبد، فما من ملك أعظم من هذا الملك الذي يحيط بكل صغيرة وكبيرة في حياة الإنسان منذ صرخته الأولى وحتى نفسه الأخير.
مظاهر هيمنة الملك القدوس على النفس والواقع
- السلطنة على النوم والأحلام:
إن من عجيب ملك الله أنه يملك حتى لحظات غياب وعينا؛ ففي النوم، نكون تحت تصرف الملك القدوس المطلق، تارة يمنحنا الراحة وتارة يبتلينا بالاضطراب. وكما ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام)، فإن تألم الإنسان في نومه ورؤيته للأحلام المزعجة ليس عبثاً، بل هو وسيلة إلهية لنقص ذنوبه وتطهير نفسه، مما يثبت أن سلطانه يمتد إلى أعماق الروح والمنام. - نفوذ الإرادة الإلهية رغم المعارضة:
تتجلى عظمة الملك القدوس في تنفيذ مشيئته رغم كراهة الناس أو منع الأنظمة؛ فكم شاهدنا من دول تحاول منع شعائر الحج وتضع العوائق التكنولوجية والسياسية، ومع ذلك تجد الآلاف يشدون الرحال بالتوفيق والدعاء. إن إرادة الله نافذة لا محالة، فإذا أراد الملك شيئاً هيأ أسبابه وسير العباد نحوه بغير حول منهم ولا قوة، بل بفيض جوده وسلطانه. - التحكم في مواقيت الموت ومواضعه:
لا مهرب ولا مفر من قدر الملك القدوس الذي يملك وقت موتنا ومكان رحيلنا؛ فمهما حاول الإنسان الفرار، فإن ساعة الموت تدركه في الموضع المكتوب له. نرى ذلك في قصص واقعية، كمن يخرج من رغده وأمانه ليسافر إلى مكان موته بإرادة خفية، حيث يملك الملك زمام المسارات ويجعلنا نحضر في الوقت والمكان المحددين بغير اختيارنا، نفاذاً لأمره الحقيقي.
أسرار التدبير الإلهي وفسخ العزائم
- معرفة الله بفسخ العزائم وتبديل الإرادات:
إن أعظم طريق لمعرفة الملك القدوس هو ما نشهده من “فسخ العزائم”؛ فكثيراً ما يعزم الإنسان على أمر ويعد له العدة، ثم يجد نفسه قد انصرف عنه أو تغير مساره بلحظة. لقد حصل معي شخصياً أن أردت الاستقرار والراحة في منزلي، وإذا بي أجد نفسي بعد ساعة راكباً في القطار في سفر طويل دام أكثر من سنة، وهذا دليل على أن قلوبنا بيد الملك يقلبها كيف يشاء. - القدسية وفعل الله الذي لا يُكيَّف:
نسميه الملك القدوس لأننا لا نفهم كنه تدبيره ولا نستطيع تكييف أفعاله؛ فهو يدبر العباد والبلاد بطرق تفوق إدراكنا البشري. الله لا يحتاج لجنود ماديين ليغير رأيك، بل يسلب منك العزيمة وأنت جالس، أو يملأ قلبك حزناً أو كسلًا أو جزعاً، وهذه سلطنة غريبة لا يملكها أحد سواه، فالله ملك قهار لا يُرد قضاؤه ولا يُنازع في أمره النافذ فينا. - العزة والذلة بالمقاييس الإلهية:
إن الملك القدوس يعز من يشاء ويذل من يشاء بعيداً عن كثرة الأموال والرجال؛ فقد تجد رجلاً كأبي طالب (عليه السلام) لا يملك جيوشاً لكنه يملك عزة تقهر الجبابرة في مكة. وفي المقابل، نجد من يملك الدنيا ولكنه يعيش ذليلاً ويموت ببعوضة كما حدث مع النمرود، وهذا يؤكد أن العزة الحقيقية هي نورانية يقذفها الملك في قلب من يشاء من عباده المخلصين.
النتيجة
إن جوهر “القدوسية” في اسم الله الملك القدوس يكمن في حيرة العقول أمام كيفية إدارته لملكه الواسع؛ فهو يدير شؤون الخلق بلا أدوات مادية نفهمها، ويقهر الجبابرة بلطف خفي. إن استشعار هذا الملك يمنحنا السكينة المطلقة، لأننا نعلم يقيناً أن كل أمورنا، من أنفاسنا إلى أرزاقنا ومنامنا، بيد ملك لا يعجزه شيء، لا تدركه الأفهام، ولا يزول ملكه ولا يُنقض.
“للمزيد من مشاهدة دروس سیاحة التسبیح، يُرجى النقر هنا.”