التوكل على الله وأهل البيت هو سفينة النجاة التي يقودها العقل والصبر في بحر الدنيا، لتصل بالمؤمن إلى أعلى مراتب الثقة والأمان.

فوائد العقل؛ التوكل على الله وأهل البيت؛ الحلقة 5

أحدث مقاطع الفيديو

فوائد العقل؛ التوكل على الله وأهل البيت

الحلقة الخامسة:

التوكل على الله وأهل البيت

أيها المؤمنون والمؤمنات، عبرة كل مؤمن ومؤمنة تتجسد في هذا النداء: يا مظلوم كربلاء، يا ليتنا كنا معك فنفوز فوزاً عظيماً. إن قلبي محروقٌ على فراق سيدي ومولاي، وقد دعوتكم اليوم لأتحدث عن أمري وأمركم، وعن سفينة نجاتنا في بحر الدنيا العميق. سلام الله على أبي الفضل العباس، يا من أسس الفضل والإباء، يا من خضت تيار المنايا بموقف عظيم، فكنت نموذجاً للعزيمة التي لا ترضى الضيم، ولا ترى في الموت إلا معرضاً عن ذل الحياة.

حديثي يدور حول تلك الوصية العظيمة التي نقلها مولانا الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) عن لقمان الحكيم، إذ قال: “الدنيا بحر عميق قد غرق فيه خلق كثير، فلتكن سفينتك فيها تقوى الله، وجسمها الإيمان، وشرعها التوكل، وقيمها العقل، ودليلها العلم، وسكانها الصبر”. هذه هي سفينة النجاة التي يجب أن نبحر بها في خوض الدنيا وطلب الرزق والذرية والجاه. هذا الإبحار لا يتم إلا بـالتوكل على الله وأهل البيت؛ وهو التوكل الذي يدفعنا نحو الزواج والسفر والتجارة والإنجاب، ولكن يجب أن نفقه الفارق الجوهري والأساسي بين هذا التوكل وبين التهور.

 

التوكل على الله وأهل البيت هو سر النجاح في خوض الدنيا

إن الفارق الأساسي والفاصل بين التوكل على الله والإقدام، وبين التهور والإحجام، هو العقل. العقل هو قيم سفينة نجاتك، وهو الذي يضعك في موضع الإقدام الذي كفله الله سبحانه وتعالى، ويحذرك في موضع الإحجام والتهور الذي ينهى عنه الشرع.

  • مواضع الإقدام المكفولة:

لقد ورد النص الصريح عن الله تعالى بالزواج، إذ يقول: $وَأَنكِحُوا الْأَيَامَىٰ مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ ۚ إِن يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ$. هذا وعد من الله، تكفل فيه بمؤنة عيالك ومؤنتك. وكذلك الأمر في الحج، فقد تكفل الله بأن يغني الحجاج ويسد فقرهم وديونهم. هنا، العقل يلزمني بقول: “صدق الله، هذا موضع تلبية لله وموضع إقدام”. أما أن أقدم على شراء بيت بـ”الصكوك” وأنا لا أدري من أين أوفيها، فهذا موضع تهور واضح، وليس من التوكل على الله في شيء.

  • الإيثار وحقيقة الإيمان:

الإيثار هو من حسن الإيمان الكامل، وليس من ضعفه. إن الإيمان الضعيف هو ما يجعل القلب يتأثر بفقره المادي، ويحزن على سد فورة جوعه وبطنه، وهذا ليس حزناً على الآخرة. أصحاب الكساء آثروا على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة، لأنهم أيقنوا بوجود الله مخلفاً جابراً يسد الخلل. أما إذا كنا نعطي ونؤثر كل ما نملك وقلبنا لا يطمئن، فنحن قد نبتلى بـ الإسراف والله لا يحب المسرفين. أنا أقول لك: أوثق ما يكون المرء من ربه، أي أعلى درجات الثقة به، ألا يكون أمامه درهم ولا دينار يعتمد عليه. نبينا الأعظم (صلى الله عليه وآله) كان لا يبيت ديناراً ولا درهماً قط، والإمام علي (عليه السلام) أشار إلى هذه المرتبة العالية من التوكل على الله وأهل البيت.

  • طلب الرزق والأخذ بالأسباب:

على الرغم من أهمية التوكل على الله وأهل البيت المطلق، فإنه لا يتعارض مع أن تطلب الدنيا والأسباب. أنا أقول لك: اطلب الدنيا، كن مثل ذي القرنين فَأَتْبَعَ سَبَبًا. اعمل وتجر وافتح دكاناً. إن الإمام علي (عليه السلام) قال لميثم التمار: “اشترِ التمر بعشر وبعه بعشر”، أي أنك لن تربح حسب أنظمة الدنيا، لكنه عقّب: “والبركة على الله”. إن البركة شيء مهم جداً، وهي التي تحيل القليل إلى كثير. بل إن نظام الإسلام يريد للنفوس أن تطمئن بتحصيل قوت سنتها، كسلمان الفارسي (رضي الله عنه) الذي كان يدخر، لكي تتفرغ النفوس بعد ذلك للمساجد وذكر الله.

 

أهل البيت (عليهم السلام) وقوة العصمة في الاعتماد على الله

علينا أن نراجع درجة إيماننا وثقتنا واعتمادنا على الله في حياتنا. إن الأئمة عليهم السلام يمثلون أعلى مراتب هذا الاعتماد، ولننظر إلى أمثلتهم:

  • فاطمة والحسين (عليهما السلام) والاطمئنان الإلهي:

أنا أتكلم عن نفسي وعنكم، لأن عقول النساء في أعينهن، فإذا رأت المرأة طعاماً في البيت اطمأنّت. أما سيدتنا فاطمة البتول (عليها السلام) فقد تبتلت، أي انقطعت عن الاهتمام بالدنيا لربها، هي مطمئنة ومرتاحة لأن الله معها. كذلك ابنها الحسين (عليه السلام)، الله يعبر عنه بقوله: $يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ$. وهو في أشد المواقف، ومع ذلك يتهلل لونه لأن قلبه مطمئن ومعتمد على الله، حقيقةً هذا هو الفرق الممتاز.

  • قيادة المهدي (عج) وكسر معيار الذل:

تظهر قوة التوكل على الله في أبهى صورها عند الإمام المهدي (عجل الله فرجه). غداً عندما يأتي المهدي ليعلن ثورته عند الكعبة، لا يعتمد على الرجال، بل على الله الذي أذن له. نحن قد نعتبر من لا رجال معه “ذليلاً”، حاشا المهدي من ذلك، ولكنه تعبير نظرتنا القاصرة. بينما هو يخرج من داخل الجبل “أعز من فيها”، لأن إذن الله بالثورة والظهور معه. هذا هو معيار العصمة والاعتماد على الله.

  • الدفاع عن علي (عليه السلام) ومنزلة المدافع:

يجب علينا الدفاع عن أبي الحسن (عليه السلام) لـ يبارك الله حياتك وذرياتك ومالك. كن من الذين إذا مروا على القوم الذين يطعنون في إمامته، يسكت بعضهم بعضاً خوفاً من ردك. قال الإمام الصادق (عليه السلام): “إذا كنت كذلك حُيِّيت”، أي أن الملائكة تملأ صحائفك بالحسنات. علي (عليه السلام) هو عصمة الله في الأرض، والذي يلوذ بعلي يُعصم.

  • نصرة المهدي (عج) بالذكر والشوق:

كونوا أعلاماً في الدعوة إلى المهدي (عليه السلام)، كما قال الإمام الحسن العسكري (عليه السلام). اجعلوا ذكر المهدي (عليه السلام) وعاءً لوعيكم، ليأتي المهدي شمس الشموس ظاهرة في قلوبكم، فلا يضيعكم السفياني ولا الدجال. ذكر المهدي أفضل من ذكر الكعبة والحج والجهاد والصلاة والصيام. ذوبوا في محبته وشوقه، هو سندنا وعزنا.

  • الحسين (عليه السلام) باب التوبة:

التوكل على الله ونصرة الإمام المهدي هي باب لغفران الذنوب. انظروا إلى الحسين (عليه السلام) وكيف فتح باب التوبة للحر. لقد قال لقاطع الطريق: “إن لك ذنوباً سيسألك الله عنها، تعال انصرني حتى يطهرك الله”. الحسين (عليه السلام) هو باب حطة لهذه الأمة. انصروا المهدي ليس بأيديكم وسلاحكم، بل بألسنتكم وذكر قلوبكم، وبتأسفكم على فواته. الإمام الصادق (عليه السلام) يسمي من لا يعرف إمامه بـ “الضال”.

 

النتيجة

أيها الأحبة، كونوا مع الله أبداً. توكلوا على الله، فإنه لا يخذل المؤمنين أبداً، فثقتك بالله هي وديعتك عنده، والله لا يضيع الأمانة ولا يخونها. علينا أن ننزه الأئمة عن النقص؛ فالإمام الجواد (عليه السلام) كُتب على ضريحه: “المرضي عند الأشراف، العلي عن نقص الأوصاف”. فلنكثر من ذكر الإمام المهدي (عليه السلام) شوقاً وتعظيماً، فـ “المغبون من لم يُذكر الإمام المهدي”. إن فراقه يكسر ظهر الحسين (عليه السلام)، كما أن فراقه يكسر ظهر إمام زماننا.

“للمزيد من مشاهدة دروس فوائد العقل، يُرجى النقر هنا.”

 

بدون دیدگاه