الفاروق الأكبر علي بن أبي طالب في مقام التقسيم بين الجنة والنار وعلمه المطلق بـ علم المنايا و فصل الخطاب.

شمس لاتغيب؛ الفاروق الأكبر والمقام الإلهي؛ الحلقة 48

أحدث مقاطع الفيديو

شمس لاتغيب؛ الفاروق الأكبر والمقام الإلهي

الحلقة الثامنة والاربعون:

محورية الإمام علي في تحديد مصير الخلق

نبدأ هذا الحديث الشريف بالحديث عن مقام عظيم، مقام التقسيم، حيث أقسم بالله بين الجنة والنار: لا يدخل أحد الجنة إلا بمقدار ما قسّمه علي بن أبي طالب. فمن كان دخوله للجنة حسب تقسيمه فهو من أهلها، واللهِ خارج تقسيم عليّ، لا أحد يدخل الجنة. إن هذا المقام يضع أساساً لمحورية الإمام في تحديد مصير الخلق؛ وهي حقيقة لا يحيط بها إلا من أودع الله في قلبه ينابيع الحكمة والهمّة.

إن علياً هو الفاروق الأكبر، الذي يفرّق بين الحق والباطل، وبين العلم والجهل، وبين العرش والكرسي، بنور يبلغ سبعين ألف نور. إذا وُجد هذا النور فقد الظلام؛ ولهذا يقول علي بن أبي طالب: “أنا الفاروق الأكبر”، أي أن كلامه وعلمه هو المفرّق الأكبر بين الحق والباطل، وهو فوق العقول وفوق حَمْلة العرش. وهذا المقام هو ما يجب أن ينطق به القرآن بتفسير الإمام المعصوم حتى نصيب فيه الحق.

 

الإمام علي: المرجعية الكبرى لمن سبقه ومن لحقه

إن مقام الإمامة مقام عظيم وشامل لا يقتصر على أمة بعينها، بل يشمل الماضي والمستقبل، كما سأبين.

  • الإمام الذي يُؤتم به والمؤدي عن السابقين:
    إن علي بن أبي طالب هو الإمام لمن بعده، الذين يأتون من بعده، فهو الإمام الذي يُؤتم به، والمؤدي عن من كان قبله من الأنبياء والمرسلين. إذا وصلتَ إلى عليّ فلن تجد من بعده من تاتم به فتسعد. كل من جاء بعده إنما هو في حوزة الاتمام الصحيح لرسالته. في هذه الإمامة، وحدها يكون رشدك وصلاحك وسعادتك. الإمام الذي ليس بعده إمام يُؤتم به هو علي بن أبي طالب.

  • إمامته على سنن السابقين والعطايا الإلهية:
    لم تقتصر إمامته على أمّته، بل هو إمام أيضاً لمن سبق من الأمم؛ فسنن السابقين من التوراة والإنجيل والزبور، إنما رجالها وأصل خيرها ورضاها لله موجود في سنن عليّ. لا يتقدم عليه في الفضل إلا أحمد، رسول الله الأعظم، وأنا وإياه على سبيل واحد. هو ليس تقدماً على الرسول، بل هو معه في سلك واحد من الهداية والنور. وقد أُعطيتُ الست التي يُدعى باسم النبي، كـ علم المنايا وعلم البلايا وعلم فصل الخطاب.

  • صاحب فصل الخطاب وإدارة الدولة:
    يقول الإمام: “أنا صاحب فصل الخطاب وصاحب الكرّات والدولة”. فمن الكلمة الأخيرة لعلي عليه السلام، إذا تكلم فلا يقدر أحد أن يناقش كلامه، أو يدمغ علمه بعلم آخر، أو يغلبه في عقله. والدولة تدور على الأمان وإغناء الشعور، وإدارة الدول كلها بيد علي بن أبي طالب، يوجّهها ويضبطها. وهذه من فضائل أبي الحسن النادرة.

 

خصائص الإمام المعصوم وحجّيته على العباد

لقد خص الله الإمام بصفات لا يمكن أن تتوفر في غيره من البشر، وهذه الخصائص هي أساس حجّيته.

  • اصطفاء الله ورفض الإختيار البشري:
    ذكر الإمام الرضا عليه السلام أن الله عز وجل لم يقبض نبيه صلى الله عليه وآله، إلا وقد أكمل الدين. إن القوم الذين رفضوا الإمام الحق جهلوا وخدعوا عن آرائهم، ونبذوا كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون كيف يختارون إمام حق لأنفسهم، مع أن الصفات التي ذكرها الإمام الرضا موجودة في كتاب الهدى وكتاب الشفاء. فالإمام لا يَعْيا بعده، ولا تكون عنده مشكلة في الإجابة، ولا يحار في الصواب؛ فهو لا يحتار في إصابة الحقيقة، لأن الله أودع في قلبه ينابيع الحكمة والعلم.

  • العصمة والتأييد الإلهي المطلق:
    الإمام معصوم، مؤيّد، موفق، مسدّد، آمن من الخطايا والزلل والآثار. خصّه الله بذلك ليكون حجة على عباده، لأن الحجة بعد الله يشهد على خلقه. ولذلك، الإمام سميع بصير محيط. هذا فضل الله يؤتيه من يشاء، وخصّه بفضل عظيم ليجعل له حجة على خلقه، ويحدد لهم الصواب من الخطأ، ويعمل للمصلحة العامة فوق كل شيء.

  • فضل الله والحكمة والملك العظيم:
    والله يختص الحجة، ويعلم الله أين يضعها. وقد قال تعالى لنبيه: “وَأَنزَلَ عَلَيْكَ الكِتابَ والحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وكانَ فضلُ اللَّهِ عليكَ عظيماً”. وقال في الأئمة من أهل بيت نبيه: “أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ”. والله تعالى يفسر الحكمة هنا بالملك العظيم، خلاف ما نظن نحن.

 

النتيجة

إن الذين اتبعوا أهواءهم، جعلهم الله ممقوتين ومفقودين ومخذولين، و “مَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ”. وهذا مصداق قوله: “فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ”، و “كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ”. إن محورية الإمام عليّ، الفاروق الأكبر، في التقسيم بين الجنة والنار، وعلمه الستة وفصل الخطاب، وعصمته وتأييده الإلهي، كلها أدلة على أن الإمامة لا تكون بالاختيار البشري، بل هي اصطفاء إلهي وفضل عظيم. نسأل الله أن ينبّهنا من نوم الغافلين، ويثبتنا على ولاية أمير المؤمنين، ويعرّفنا نفسه.

“للمزيد من مشاهدة دروس شمس لا تغيب، يُرجى النقر هنا.”

 

بدون دیدگاه