التكتم على إخفاء اسم الإمام المهدي هو عهدٌ نبويٌّ ووصيةٌ من أمير المؤمنين (ع) لسلامة القائد الغائب.

شمس لاتغيب؛ إخفاء اسم الإمام المهدي وسرّ الغيبة؛ الحلقة 19

أحدث مقاطع الفيديو

شمس لاتغيب؛ إخفاء اسم الإمام المهدي وسرّ الغيبة

الحلقة التاسعة عشرة:

الإرادة الإلهية في إخفاء اسم الإمام المهدي (عليه السلام)

في مستهلِّ حديثنا، نتأمل في روايةٍ عظيمةٍ عن الإمام موسى بن جعفر (ع) بخصوص مولانا القائم (عج)، حيثُ قال: “يَخْفَى عَنِ النَّاسِ وِلَادَتُهُ، فَيَحِلُّ لَهُمْ تَسْمِيَتُهُ، حَتَّى يُظْهِرَهُ اللَّهُ فَيَمْلَأَ بِهِ الْأَرْضَ قِسْطًا وَعَدْلًا كَمَا مُلِئَتْ جَوْرًا وَظُلْمًا.” تحملُ هذه الرواية تحليلًا عميقًا لحالة الإمام الغائب في المجتمع، مبيّنةً أنَّ خفاءَ الولادة هو جزءٌ من خطةٍ إلهيةٍ. إنَّ الإمامَ المهدي، هو خليفةُ اللهِ الخفيُّ، الذي ذلَّت له الشمسُ وذلَّ كلُّ شيءٍ لعظمتِه، كما بيَّنا ذلك في زيارة الجامعة، لكنَّ المجتمعَ بأسرهِ، وحتى بعضُ شيعتِنا، لا يحتملون هذه الكمالاتِ الغيبيةَ ولا يؤمنون بها دونَ شهودٍ مادِّيٍّ. من هنا، يكمنُ سرُّ التوجيهِ بـإخفاء اسم الإمام المهدي ومكانه، حرصًا على حياته الشريفة وطبقًا للإرادة الإلهية.

لقد أوضحنا أنَّ المنعَ من التسمية ليس مطلقًا، بل هو منصبٌ على مَن لا يَحْتَمِلُ إيمانُه الغيبَ والكمال الإلهيَّ المطلقَ للإمام، أو عند الإذاعةِ في محفلٍ من الناس، خوفًا من التضييقِ والتتبُّعِ، ولأنَّ إذاعةَ الاسمِ أو المكانِ تُعرِّضُ الإمامَ للخطر. هذا التوجيه الإلهيُّ بخفاءِ الشخصِ وسريةِ قيادته هو سرٌّ من أسرارِ اللهِ في أرضِه، وواجبُنا كشيعةٍ مخلصةٍ هو التغطيةُ على إمامِنا وتنفيذُ هذه الإرادةِ الإلهيةِ في إخفاء اسم الإمام المهدي.

 

التأكيدات الروائية على وجوب كتمان الاسم والمكان

  • منع التسمية دلالة على عدم الاحتمال:

إنَّ تحليلَ عبارةِ “لا يَحِلُّ تَسْمِيَتُهُ” يُشيرُ إلى أنَّ غالبيةَ الناسِ لا تعترفُ بقدراتِ الإمامِ الغيبيةَ دونَ شهودٍ مادِّيٍّ، بل لا تحتملُ هذا المعنى، ولذلك لا يجوزُ تسميتُه أمامَ مَن لا يحتملُ، لأنَّ الإذاعةَ تُؤدِّي إلى التضييقِ والضررِ. فمَنْ لا يُؤمنُ بكاملِ قدراتِ الإمامِ لا يُؤمَنُ على سرِّه. إنَّ إخفاء اسم الإمام المهدي هو صيانةٌ لحياته المباركة.

  • التوقيعات الشريفة وتأكيد اللعن على المُذيع:

لقد تواترت الرواياتُ والتوقيعاتُ الشريفةُ التي تُشدِّدُ على ضرورةِ إخفاء اسم الإمام المهدي. ولقد وردَ في توقيعٍ شريفٍ عن الإمامِ المهديِّ نفسِه: “ملعونٌ ملعونٌ مَن سماني في محفلٍ من الناس.” إنَّ اللعنَ هنا يُفسَّرُ بالبُعدِ عن رحمةِ اللهِ التي اقتضتْ خفاءَ الإمام؛ فمَن يُخالفُ إرادةَ اللهِ يكفرُ بهذه الحقيقةِ الإلهيةِ، كما وردَ عن الإمامِ الصادقِ (عليه السلام) أنَّ “رجلًا لا يُسمّيهِ باسمِه إلّا كافرٌ”، وهذا الكفرُ هو كفرٌ بإرادةِ اللهِ التكوينيةِ في سترِ الإمامِ وحفظِه.

  • الإذاعة تدلُّ على المكان وتصعِّبُ الحياة:

وعندما سُئلَ العمريُّ عن الاسم والمكان بعد مضيِّ الإمام العسكري (عليه السلام)، جاء الجوابُ بأنَّ “ذلك عن الاسمِ أذاعوه، وإنْ عرفوا المكانَ دلُّوا عليه.” إنَّ إذاعةَ الاسمِ تُعرِّضُ خصوصياتِ الإمامِ للنشرِ وتُصعِّبُ حياته الشريفة، وكذلك الإشارةُ للمكانِ تُعرِّضُه للتتبُّعِ، وهذا تدليلٌ على الإمامِ يُضيِّقُ عليه، لذا وجبَ إخفاء اسم الإمام المهدي ومكانه.

 

خفاء الاسم كعلامة فارقة ووصية من أمير المؤمنين (ع)

  • الخفاءُ علامةٌ مميزةٌ للقائم عن المدَّعين:

إنَّ خفاءَ الاسمِ وعدمَ الإشارةِ إلى الجسمِ أو المكانِ هو علامةٌ فارقةٌ يتميزُ بها الإمامُ القائم عن المدَّعين الكذَّابين. فكما سُئلَ الإمامُ الرضا (عليه السلام) عن القائم، أجاب: “لا يُرى جسمُه ولا يُسمَّى باسمِه.” إنَّ حرصَ الشيعةِ المخلصين على إخفاء اسم الإمام المهدي هو جزءٌ من علامتِه، وهو نابعٌ من واجبِ التغطيةِ على إمامِهم وقائدِهم السريِّ. هذا التكتم هو دليلٌ على صدقِ دعواهُ.

  • العهدُ النبويُّ بالإخفاء حتى الظهور:

وعندما سألَ عمرُ أميرَ المؤمنين (عليه السلام) عن اسمِ المهديِّ، أجاب الإمامُ عليٌّ: “أما اسمُه فلا، إنَّ حبيبي وخليلي عهِدَ إليَّ أنْ لا أحدِّثَ باسمِه حتى يبعثَه اللهُ.” إنَّ سُنَّةَ الإخفاءِ هذه هي سُنَّةٌ إلهيةٌ وعهدٌ نبويٌّ يضمنُ سلامةَ القائدِ الذي لم يحِنْ بعدُ وقتُ كشفِه وظهورِه الإلهيِّ. هذا العهدُ يُلزمُنا باتِّباعِ سُنَّةِ إخفاء اسم الإمام المهدي والتمسكِ بها.

 

النتيجة

إنَّ حديثَنا عن إخفاء اسم الإمام المهدي يُفضي بنا إلى حقيقةٍ أنَّ الإمامَ يعيشُ غيبتَه طبقًا لخطةٍ إلهيةٍ محكمةٍ، وأنَّ المنعَ من التسميةِ والإشارةِ هو سياجٌ إلهيٌ لحمايةِ وجودِه الشريفِ من كلِّ تضييقٍ أو تتبُّعٍ، إلى أن يحينَ وقتُ الظهورِ الذي يملأُ فيه الأرضَ قسطًا وعدلًا. فلْنسألْ اللهَ أن يُنبِّهَنا من نومةِ الغافلينَ، وأن يُثبِّتنا على ولايةِ أئمتِنا الطاهرين.

“للمزيد من مشاهدة دروس شمس لا تغيب، يُرجى النقر هنا.”

 

بدون دیدگاه