شمس لاتغيب؛ الاستغناء بفضل الإمام المهدي
الحلقة الثامنة والثمانون:
حقيقة التجلي الإلهي وجوهر الاستغناء في عصر الظهور
أقول لكم أيها الأحبة، إنّ جوهر القضية وجوهر الوجود كله يتلخص في حقيقة كبرى واحدة؛ وهي أن الإنسان حين يشرق عليه نور القائم عجل الله فرجه، لن يجد في قلبه ولا في واقع حياته موضعاً يُصرف فيه لغير الله تبارك وتعالى. إنها مسألة الاستغناء بفضل الإمام المهدي، حيث يستغني الناس جميعاً بفضل الله وبفضل ما يكون من تجليات ذلك النور الإلهي الساطع الذي يملأ الآفاق، فالإمام هو الواسطة في الفيض وهو الذي به يستغني الخلق عن كل ما سواه.
إننا اليوم نعيش في عالم المادة المحدود، ولكن ذاك اليوم الموعود هو “يوم الشهود”، و “يوم الظهور”، و “يوم التجلّي” الأكبر، ويوم “حكم الله” الذي يقدِر فيه كل شيء قدره الحقيقي. إن السماء هي نفس السماء، والأرض هي ذات الأرض، ولكن الفارق الجوهري يكمن في “كمال العقول”؛ فاليوم كل اهتمامنا منصبّ على الأموال والأولاد، وعلى العشائر والأمور المادية الزائلة، وهذا إن دلّ على شيء فإنما يدل على غفلتنا عن الحقيقة الكبرى التي لم نكشف أستارها بعد، لأننا لا نزال نعيش على ما تربينا عليه من الطفولة ونسمع آيات القرآن بآذانٍ ضعيفة اليقين.
موازين الفقر والكمال في رحاب ولي الله
- حقيقة الفقر في التعلق بغير المهدي:
يجب أن ندرك يقيناً أنه في ميزان الحق، لا يضر ولا ينفع الجاه، ولا تغني كثرة الرجال شيئاً في مقابل الإرادة الإلهية. إن الشيء الوحيد الذي يضعه الله تبارك وتعالى في أي شيء غير المهدي عليه السلام هو “الفقر”؛ فكل من طلب الغنى في غيره فهو فقير وإن ملك الدنيا، وأي استشفاء بطلب الشفاء في غير رحابه هو “مرض”، وأي لجوء طلباً للأمان إلى أي مؤمن بعيداً عن نوره فهو “ظلام” عارم لا ينجي صاحبه. - المهدي هو الغاية في كمال الأشياء:
أقولها لكم بوضوح الرؤية التي أمتلكها لأجل مساعدتكم وتوجيهكم نحو الحق: إن الاستغناء بفضل الإمام المهدي هو الغاية والوسيلة في آن واحد. المهدي هو كل شيء نختاره، وكل شيء قريب إلى الفطرة، وكل شيء نتمناه ونبتغيه في مسيرنا نحو الله؛ فكل أمر يأتينا ويصل إلى درجة كماله فهو المهدي سلام الله عليه، وكل من سواه ما هو إلا وسيلة فانية إذا لم ترتبط بفيضه القدسي وشخصه المبارك.
كمال العقول وزمن التراحم في عصر الغيبة والظهور
- المسارعة إلى البر في زمن فقد الإمام:
متى يجب علينا أن نستعجل بالعطايا وبذل الأموال والتراحم؟ إن وقت ذلك هو “يومك” الذي تعيشه الآن، حين تشعر بألم فقد إمامك في غيبته. استعجلوا بالتراحم والتواصل والتبادل، وبالبر والإحسان وصرف الأموال في وجوه الخير؛ لأن اليوم الذي يخرج فيه المهدي عليه السلام ستتغير فيه كل الموازين المادية، ولن تجد فقيراً يحتاج إلى صدقتك لعظم ما ينال الناس من الاستغناء بفضل الإمام المهدي. - انتهاء زمن التعويض والاعتماد على المخلوق:
إياكم والشهوة في الاعتماد على بعضكم البعض بعد طلوع طلعته وإشراقه الميمون؛ ففي ذلك اليوم المبارك يكون “مفرّج الهموم” واحداً، و “قاضي الحوائج” واحداً، و “محقّق الأماني” واحداً. إننا نعيش اليوم زمن “ضعف العقول” وتحويل حوائج المخلوق على المخلوق، أما غداً فهو يوم انتهاء هذا التعويض المادي، يوم كمال العقول والتوكل المطلق على الله، حيث يسود اليقين وتختفي الشكوك والوساوس الشيطانية التي تنهش النفوس لعدم الإيمان.
ملكوت الوجود في خدمة القلوب المتوكلة
- تسخير الكائنات للطالب والمريد:
حين يتحقق الاستغناء بفضل الإمام المهدي في سويداء القلوب، ستجدون أن الشمس والقمر يكونان في خدمة الطالب للمهدي، والراغب في وصاله، والمعوّل عليه في كل شؤونه. ليس هذا فحسب، بل إن الأراضين السبع والسماوات السبع وما فيهن من أسرار غيبية، ستكون مسخّرة لخدمة المتوكل على الله الذي ثبت قلبه على الإيمان ولم تزلزله العواصف، فالقلب الذي يشع بنوره هو الذي تولاه الله تعالى. - حياة الملائكة والرجوع إلى أصل الأنوار:
انظروا إلى الملائكة، إنهم يعيشون منذ سنين طوال على “التعويض” الروحاني، وعلى التسبيح والتهليل والتكبير، رزقهم هو الرجوع إلى “محسن الشهيد” وحازم الأنوار في السماوات. إنهم يعيشون على التوسل بالحسين وعلي بن أبي طالب عليهما السلام، لا يأكلون ولا يشربون ولا يتاجرون، بل يعيشون “ممسوسين في ذات المهدي” وغارقين في فيضه، وهم أعقل الخلق لأنهم عرفوا وجهة الاستغناء الحقيقي.
نداء الاستنهاض من الظلمات إلى معالي العرش
- اغتنام الفرصة في زمن الغيبة المظلم:
نحن نعيش الآن في أجواء مظلمة انتشرت في جميع أرجاء الخليقة، حيث يدعوك الجميع إلى “مخلوق” فاني، ولا أحد يدعو إلى “يد الله” أو إلى حزبه الحقيقي وسط هذه الظلمات العارمة. إن الفرصة لا تزال موجودة أمامكم يا أبناء زمن الغيبة قبل أن يدرككم الموت؛ فأسأل الله أن ينبهكم اليوم على حقيقة “شمس الشموس” قبل أن يأتي يوم الظهور ويوم القبور، لتكون رؤيتكم واضحة تجاه صاحبكم. - السمو من حضيض الدنيا إلى همم الكرسي:
لقد خلق الله المهدي ليكون كفايتنا من كل أحد ومن كل شيء، ولكن الخلائق أنزلوه منزلة “الغيب” حتى أصبح بيننا غريباً وحيداً فريداً. متى تترقى البشرية لنبذ الأموال والراحة الزائفة ونبذ الدنيا الدنية؟ إن الهدف هو السمو من هذا الحضيض إلى معالي العرش وهمم الكرسي، وهذا لن يتحقق إلا إذا جعلنا الاستغناء بفضل الإمام المهدي هو دستور حياتنا ومعتمدنا في كل شهيق وزفير.
النتيجة
إن الخلاص الحقيقي في هذا الزمن المظلم لا يكون إلا بالرجوع الصادق إلى الله تعالى عبر بوابة وليه وحجته. إن الاستغناء بفضل الإمام المهدي ليس مجرد شعار، بل هو حالة من كمال العقل والروح تجعل الإنسان يترفع عن التعلق بالمخلوقات الزائلة. علينا أن نبدأ اليوم بتطهير قلوبنا وتوثيق ارتباطنا بـ شمس الشموس، لنكون من المتوكلين الذين تسخر لهم السماوات والأرض، ونخرج من ضيق الفقر والارتهان للمادة إلى سعة الغنى بالله وبوليه الغريب الفريد.
“للمزيد من مشاهدة دروس شمس لا تغيب، يُرجى النقر هنا.”